الشنقيطي

429

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

قال الزمخشري : والتلقي التلقن بالحفظ والكتبة ا ه منه ، والمعنى واضح لأن الملك يتلقى عمل الإنسان عند صدوره منه فيكتبه عليه ، والمتلقيان هما الملكان اللذان يكتبان أعمال الإنسان ، وقد دلت الآية الكريمة على أن مقعد أحدهما عن يمينه ومقعد الآخر عن شماله . والقعيد : قال بعضهم : معناه القاعد ، والأظهر أن معناه المقاعد ، وقد يكثر في العربية إطلاق الفعل وإرادة المفاعل ، كالجليس بمعنى المجالس ، والأكيل بمعنى المآكل ، والنديم بمعنى المنادم ، وقال بعضهم : القعيد هنا هو الملازم ، وكل ملازم دائما أو غالبا يقال له قعيد ، ومنه قول متمم بن نويرة التميمي : قعيدك ألا تسمعيني ملامة * ولا تنكئي قرح الفؤاد فيجعا والمعنى عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد ، فحذف الأول لدلالة الثاني عليه ، وهو أسلوب عربي معروف ، وأنشد له سيبويه في كتابه قول عمرو بن أحمر الباهلي : رماني بأمر كنت منه ووالدي * بريئا ومن أجل الطوى رمان وقول قيس بن الخطيم الأنصاري : نحن بما عندنا وأنت بما * عندك راض والرأي مختلف وقول ضبائي بن الحارث البرجمي : فمن يك أمسى بالمدينة رحله * فإني وقيار بها لغريب فقول ابن أحمر : كنت منه ووالدي بريئا أي كنت بريئا منه وكان والدي بريئا منه . وقول ابن الخطيم : نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض : أي نحن راضون وأنت راض . وقول ضابىء بن الحارث : فإني وقيار بها لغريب : يعني إني لغريب وقيار غريب ، وهذا أسلوب عربي معروف ، ودعوى أن قوله في الآية : قَعِيدٌ ( 17 ) هي الأولى أخرت وحذفت الثانية لدلالتها عليها لا دليل عليه ، ولا حاجة إليه كما ترى ، لأن المحذوف إذا صحت الدلالة عليه بالأخير فلا حاجة إلى أن هذا الأخير أصله هو الأول ، ولا دليل عليه . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ ؛ أي ما ينطق بنطق ولا يتكلم بكلام إلا لديه ، أي إلا والحال أن عنده رقيبا . أي ملكا مراقبا لأعماله حافظا لها شاهدا عليها لا يفوته منها شيء . عتيد : أي حاضر ليس بغائب يكتب عليه ما يقول من خير وشر ، وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن الإنسان عليه حفظة من الملائكة يكتبون أعماله ، جاء موضحا في آيات كثيرة من كتاب اللّه . كقوله تعالى : وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ ( 10 ) كِراماً كاتِبِينَ ( 11 ) يَعْلَمُونَ ما