الشنقيطي

421

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

ومما لا نزاع فيه بين العقلاء أن الذكر والأنثى إذا تعاشرا المعاشرة البشرية الطبيعية التي لا بقاء للبشر دونها ، فإن المرأة تتأثر بذلك تأثرا طبعيا كونيا قدريا مانعا لها من مزاولة الأعمال كالحمل والنفاس وما ينشأ عن ذلك من الضعف والمرض والألم . بخلاف الرجل فإنه لا يتأثر بشيء من ذلك ، ومع هذه الفوارق لا يتجرأ على القول بمساواتهما في جميع الميادين إلا مكابر في المحسوس ، فلا يدعو إلى المساواة بينهما إلا من أعمى اللّه بصيرته . وقد قدمنا في الموضعين اللذين أشرنا لهما من هذا الكتاب المبارك ما يكفي المنصف ، فأغنى عن إعادته هنا . قوله تعالى : وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا [ 13 ] . لما كان قوله تعالى : إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى يدل على استواء الناس في الأصل ، لأن أباهم واحد وأمهم واحدة وكان في ذلك أكبر زاجر عن التفاخر بالأنساب وتطاول بعض الناس على بعض ، بين تعالى أنه جعلهم شعوبا وقبائل لأجل أن يتعارفوا أي يعرف بعضهم بعضا ، ويتميز بعضهم عن بعض لا لأجل أن يفتخر بعضهم على بعض ويتطاول عليه . وذلك يدل على أن كون بعضهم أفضل من بعض وأكرم منه إنما يكون بسبب آخر غير الأنساب . وقد بين اللّه ذلك هنا بقوله : إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ فاتضح من هذا أن الفضل والكرم إنما هو بتقوى اللّه لا بغيره من الانتساب إلى القبائل ، ولقد صدق من قال : فقد رفع الإسلام سلمان فارس * وقد وضع الكفر الشريف أبا لهب وقد ذكروا أن سلمان رضي اللّه عنه كان يقول : أبي الإسلام لا أب لي سواه * إذا افتخروا بقيس أو تميم وهذه الآيات القرآنية ، تدل على أن دين الإسلام سماوي صحيح ، لا نظر فيه الألوان ولا إلى العناصر ، ولا إلى الجهات ، وإنما المعتبر فيه تقوى اللّه جل وعلا وطا فأكرم الناس وأفضلهم أتقاهم للّه ، ولا كرم ولا فضل لغير المتقي ، ولو كان رفيع النسب . والشعوب جمع شعب ، وهو الطبقة الأولى من الطبقات الست التي عليها ا وهي : الشعب ، والقبيلة ، والعمارة ، والبطن ، والفخذ ، والفصيلة . فالشعب يجمع القبائل ، والقبيلة تجمع العمائر ، والعمارة تجمع البطون ، والبطن يجمع الأفخاذ والفخذ يجمع الفصائل . خزيمة شعب ، وكنانة قبيلة ، وقريش عمارة ، وقصي بطن ، وهاشم فخذ ، والعباس