الشنقيطي
418
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
قوله تعالى : وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ [ 11 ] . أي لا يلمز أحدكم أخاه كما تقدم إيضاحه في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى : إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [ الإسراء : 9 ] . وقد أوعد اللّه جل وعلا الذين يلمزون الناس في قوله تعالى : وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ ( 1 ) [ الهمزة : 1 ] ، والهمزة كثير الهمز للناس ، واللمزة كثير اللمز . قال بعض العلماء : الهمز يكون بالفعل كالغمز بالعين احتقارا وازدراء ، واللمز باللسان ، وتدخل فيه الغيبة . وقد صرح اللّه تعالى بالنهي عن ذلك في قوله : وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً [ 12 ] ونفر عنه غاية التنفير في قوله تعالى : أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ فيجب على المسلم أن يتباعد كل التباعد من الوقوع في عرض أخيه . قوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى [ 13 ] . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه خلق الناس من ذكر وأنثى ، ولم يبين هنا كيفية خلقه للذكر والأنثى المذكورين ولكنه بين ذلك في مواضع أخر من كتاب اللّه . فبين أنه خلق ذلك الذكر الذي هو آدم من تراب ، وقد بين الأطوار التي مر بها ذلك التراب ، كصيرورته طينا لازبا وحمأ مسنونا وصلصالا كالفخار . وبين أنه خلق تلك الأنثى التي هي حواء من ذلك الذكر الذي هو آدم فقال في سورة النساء : يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً [ النساء : 1 ] وقال تعالى في الأعراف هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها [ الأعراف : 189 ] وقال تعالى : في الزمر خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها [ الزمر : 6 ] . وقد قدمنا أنه خلق نوع الإنسان على أربعة أنواع مختلفة : الأول منها : خلقه لا من أنثى ولا من ذكر وهو آدم عليه السلام . والثاني : خلقه من ذكر بدون أنثى وهو حواء . والثالث : خلقه من أنثى بدون ذكر وهو عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام . الرابع : خلقه من ذكر وأنثى وهو سائر الآدميين ، وهذا يدل على كمال قدرته جل وعلا . مسألة قد دلت هذه الآيات القرآنية المذكورة على أن المرأة الأولى كان وجودها الأول