الشنقيطي

386

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

بالصوم في أوقات وجود تلك النعم ظاهر الفساد ، لأن المناسب لنعم اللّه هو طاعته بأنواع الطاعات كالصوم . ولذا تجد الناس ينذرون للّه صوم اليوم الذي ينعم اللّه عليهم فيه بشفاء المريض أو إتيان الغائب ، وهذا أمر معروف وهو المعقول لا عكسه . ومما يوضح هذا أن إنزال القرآن العظيم هو أعظم نعمة على البشر . ولأجل ذلك علمهم اللّه حمده تعالى على هذه النعمة العظمى في أول سورة الكهف في قوله تعالى الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ [ الكهف : 1 ] الآية . وقد بين تعالى أنه أنزل هذه النعمة في شهر رمضان ، فكان نزول هذه النعمة في شهر رمضان مقتضيا لصومه لا لجعل أيامه أعيادا يستقبح صومها ، لأن اللّه تعالى قال شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ [ البقرة : 185 ] . وهذا هو أعظم النعم ، وقد رتب على هذا بالفاء قوله بعده ، فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [ البقرة : 185 ] الآية فافهم . والمقصود بهذا المثال النصيحة للذين لم يقدروا على غير هذا التقليد الأعمى ليبحثوا في كتب المذهب وأمهاته عن أقوال الإمام وكبار أصحابه ليفرقوا بينها وبين أنواع الاستحسان التي لا مستند لها ، التي يدخلها المتأخرون وقتا بعد وقت وهي ظاهرة الفساد عند من رزقه اللّه علما بكتاب اللّه وسنة رسوله . ومما لا شك فيه أن أقوال مالك وكبراء أصحابه مثلا ، أحرى بالصواب في الجملة من استحسان ابن عباد وابن عاشر وأمثالهما . التنبيه العاشر اعلم أن الدعوى التي اتفق عليها متأخرو الأصوليين التي تتضمن حكمهم على خالق السماوات والأرض جل وعلا لا يجوز لمسلم تريد الحق والإنصاف أن يعتقدها ، ولا أن يصدقهم فيها لظهور عدم صحتها ومخالفتها للنص ، والحكم فيها على اللّه بلا مستند ، وهو جل وعلا الذي يحكم لا معقب لحكمه ، وهو سريع الحساب . وهذه الدعوى المذكورة هي المتركبة مما يأتي ، وهو أن الاجتهاد قد انقرض في الدنيا وانسد بابه . وأن اللّه تعالى محكوم عليه بأن لا يخلق مجتهدا ولا يعلم أحدا من خلقه علما يمكن أن يكون به مجتهدا إلى ظهور المهدي المنتظر . وأنه لا يجوز لأحد أن يعمل بكتاب ولا سنة ولا أن يقلد أحدا كائنا من كان غير الأئمة