الشنقيطي

376

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

ومعلوم أن هنالك بعضا من النصوص ترك مالك العمل به مع أنه بلغه ، لأنه يعتقد أن ما ترك النص من أجله أرجح من النص . وهذا يحتاج فيه إلى مناقشات دقيقة بين الأدلة ، فقد يكون الحق في ذلك مع هذا الإمام تارة ومع غيره أخرى . فقد ترك مالك العمل بحديث خيار المجلس مع أنه حديث متفق عليه ، وقد بلغ مالكا . وقد حلف عبد الحميد الصائغ من المالكية بالمشي إلى مكة على أنه لا يفتي بثلاث . قالها مالك . ومراده بالثلاث المذكورة عدم القول بخيار المجلس هذا مع صحة الحديث فيه . وجنسية القمح والشعير مع صحة الأحاديث الدالة على أنهما جنسان . والتدمية البيضاء ، ولا شك أن مالكا بلغه حديث خيار المجلس هذا . فقد روي في الموطأ « 1 » عن نافع عن عبد اللّه بن عمر أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار » . قال مالك : وليس لهذا عندنا حد معروف ، ولا أمر معمول به فيه . انتهى منه بلفظه . مع أن مالكا لم يعمل بهذا الحديث الصحيح : وأشار في الموطأ إلى بعض الأسباب التي منعته من العمل به في قوله : وليس لهذا عندنا حد معروف ولا أمر معمول به فيه ، لأن خيار المجلس لم يحدد بحد معروف . فصار القول به مانعا من انعقاد البيع إلى حد غير معروف . وقد يكون المتعاقدان في سفينة في البحر لا يمكنهم التفرق بالأبدان . وقد يكونان مسجونين في محل لا يمكنهما التفرق فيه . وقد حمل مالك التفرق المذكور في الحديث على التفرق في الكلام . وصيغة العقد قال : وقد أطلق التفرق على التفرق في الكلام دون الأبدان في قوله تعالى : وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ [ النساء : 130 ] فالتفرق في الآية إنما هو بالتكلم بصيغة الطلاق

--> ( 1 ) كتاب البيوع حديث 79 .