الشنقيطي
377
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
لا بالأبدان . وقوله تعالى : وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ ( 4 ) [ البينة : 4 ] فالتفرق في الآية تفرق بالكلام والاعتقاد . فلا يشترط أن يكون بالأبدان : وحجج من احتج لمالك في عدم أخذه بحديث خيار المجلس ، هذا كثيرة معروفة . منها ما هو في آيات من كتاب اللّه كقوله تعالى : وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ [ البقرة : 282 ] ، وقوله : أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [ المائدة : 1 ] ، وقوله : إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ [ النساء : 29 ] . ومنها ما هو بغير ذلك . وليس غرضنا هنا بسط الحجج ومناقشتها ، وإنما غرضنا المثال . لأن الإمام قد يترك نصا بلغه لاعتقاد أن ما ترك من أجله النص أرجح من نفس النص ، وأنه يجب على المسلم مراعاة المخرج والنجاة لنفسه فينظر في الأدلة ، ويعمل بأقواها وأقربها إلى رضى اللّه . كما حلف عبد الحميد الصائغ بالمشي إلى مكة ، لا يفتي بقول مالك في هذا . مع أنه عالم مالكي ، لأنه رأى الأدلة واضحة وضوحا لا لبس فيه ، في أن المراد بالتفرق التفرق بالأبدان . وقد صرح بذلك جماعة من الصحابة منهم ابن عمر راوي الحديث ، ولم يعلم لهم مخالف من الصحابة . ولا شك أن المنصف إذا تأمل تأملا صادقا حاليا من التعصب عرف أن الحق هو ثبوت خيار المجلس . وإن المراد بالتفرق التفرق في الأبدان لا بالكلام . لأن معنى التفرق بالكلام هو حصول الإيجاب من البائع والقبول من المشتري . وكل عاقل يعلم أن الخيار حاصل لكل من البائع والمشتري ضرورة قبل حصول الإيجاب والقبول . فحمل كلام النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على هذا ، حمل له على تحصيل حاصل ، وهو كما ترى . مع أن حمل الكلام على هذا المعنى يستلزم أن المراد بالمتبايعين في الحديث المتساومان ، لأنه لا يصدق عليهما اسم المتبايعين حقيقة إلا بعد حصول الإيجاب والقبول .