الشنقيطي

361

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

في شيء من مسائل الاجتهاد والرأي : هذا حلال أو حرام . فما ظنك بغيرهم من المقلدين الذين لم يستضيئوا بشيء من نور الوحي ؟ فتجرؤهم على التحريم والتحليل بلا مستند من الكتاب إنما نشأ لهم من الجهل بكتاب اللّه وسنة رسوله ، وآثار السلف الصالح . وآية يونس المتقدمة صريحة فيما ذكرنا صراحة تغني عن كل ما سواها . لأنه تعالى لما قال : فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالًا أتبع ذلك بقوله قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ ( 59 ) [ يونس : 59 ] . ولم يجعل واسطة بين إذنه في ذلك وبين الافتراء عليه . فمن كان عنده إذن من اللّه بتحريم هذا أو تحليا فليعتمد على إذن اللّه في ذلك . ومن لم يكن عنده إذن من اللّه في ذلك فليحذر من الافتراء على اللّه . إذ لا واسطة بين الأمرين . ومعلوم أن العبرة بعموم لفظ الآية لا بخصوص سببها . فالذين يقولون من الجهلة المقلدين : هذا حلال وهذا حرام ، وهذا حكم اللّه ، ظنا منهم أن أقوال الإمام الذي قلدوه تقوم مقام الكتاب والسنة وتغني عنهما . وإن ترك الكتاب والسنة والاكتفاء بأقوال من قلدوه أسلم لدينه أعمتهم ظلمات الجهل المتراكمة عن الحقائق حتى صاروا يقولون هذا . فهم كما ترى ، مع أن الإمام الذي قلدوه ، ما كان يتجرأ على مثل الذي تجرؤوا عليه ، لأن علمه يمنعه من ذلك . واللّه جل وعلا يقول : قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ ( 9 ) [ الزمر : 9 ] . التنبيه الرابع اعلم أن مما لا بد منه معرفة ، الفرق بين الاتباع والتقليد ، وأن محل الاتباع لا يجوز التقليد فيه بحال . وإيضاح ذلك : أن كل حكم ظهر دليله من كتاب اللّه ، أو سنة رسوله صلّى اللّه عليه وسلم ، أو إجماع المسلمين ، لا يجوز فيه التقليد بحال . لأن كل اجتهاد يخالف النص ، فهو اجتهاد باطل ، ولا تقليد إلا في محل الاجتهاد .