الشنقيطي
358
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
قال : نعم : فقال له : إني قد كبرت سني ورقّ عظمي ، وأنا أخاف أن يكون خالطني في عقلي مثل الذي خالطني في بدني . ومالك وعبد العزيز عالمان فقيهان ، إذا سمعا مني حقا قبلاه ، وإذا سمعا خطأ تركاه . وأنت وذووك ما أجبتكم به قبلتموه . قال محمد بن حارث : هذا واللّه هو الدين الكامل ، والعقل الراجح . لا كمن يأتي بالهذيان ، ويريد أن ينزل من القلوب منزلة القرآن . ا ه منه . التنبيه الثالث اعلم أن المقلدين للأئمة هذا التقليد الأعمى قد دل كتاب اللّه ، وسنة رسوله ، وإجماع من يعتد به من أهل العلم ، أنه لا يجوز لأحد منهم أن يقول : هذا حلال وهذا حرام . لأن الحلال ما أحله اللّه ، على لسان رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم في كتابه أو سنة رسوله ، والحرام ما حرمه اللّه على لسان رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم في كتابه ، أو سنة رسوله . ولا يجوز البتة للمقلد أن يزيد على قوله : هذا الحكم قاله الإمام الذي قلدته أو أفتى به . أما دلالة القرآن على منع ذلك فقد قال تعالى : قُلْ أَ رَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ ( 59 ) [ يونس : 59 ] وقال تعالى : وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ ( 116 ) [ النحل : 116 ] . وقال تعالى : قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا [ الأنعام : 150 ] الآية . ومعلوم أن العبرة بعموم الألفاظ ، لا بخصوص الأسباب كما بيناه مرارا ، وأوضحنا أدلته من السنة الصحيحة . ومما يوضح هذا أن المقلد الذي يقول : هذا حلال وهذا حرام من غير علم بأن اللّه حرمه على لسان رسوله صلّى اللّه عليه وسلم ، يقول على اللّه بغير علم قطعا . فهو داخل بلا شك في عموم قوله تعالى : قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ( 33 ) [ الأعراف : 33 ] . فدخوله في قوله : وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ( 33 ) كما ترى .