الشنقيطي

338

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

رأينا لرأيك تبع ، رد فيها على أبي بكر بعض ما قاله . وأيد الصحابة ما قال عمر في رده على أبي بكر رضي اللّه عنهما . لأن الحديث المذكور في وفد بزاخة من أسد وغطفان حين قدموا على أبي بكر يسألونه الصلح ، فخيرهم أبو بكر بين الحرب المجلية والسلم المخزية . فقالوا هذه المجلية قد عرفناها . فما المخزية ؟ قال : تنزع منكم الحلقة والكراع ، ونغنم ما أصبنا لكم وتردون لنا ما أصبتم منا ؟ وتدون لنا قتلانا إلى آخر كلامه . وفيه : فقام عمر بن الخطاب فقال : قد رأيت رأيا سنشير عليك . أما ما ذكرت من الحرب المجلية والسلم المخزية فنعم ما ذكرت . وما ذكرت من أن نغنم ما أصبنا منكم ، وتردون ما أصبتم منا ، فنعم ما ذكرت . وأما ما ذكرت من أن تدون قتلانا وتكون قتلاكم في النار . فإن قتلانا قد قاتلت فقتلت على ما أمر اللّه أجورها على اللّه ، ليس لها ديات . فتتابع القوم على ما قال عمر رضي اللّه عنه . فهذه القصة الثابتة : هي التي في بعض ألفاظها ورأينا لرأيك تبع . وأنت ترى عمر رضي اللّه عنه لم يقلد فيها أبا بكر رضي اللّه عنه ، إلا فيما يعتقد صوابه . فإنما ظهر له أنه صواب قال له فيه : نعم ما ذكرت . وما ظهر له أنه ليس بصواب رده على أبي بكر ، وهو قول أبي بكر بدفع ديات الشهداء . لأن عمر يعتقد أن الشهيد في سبيل اللّه لا دية له ، لأن اللّه يقول : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 111 ) [ التوبة : 111 ] . وذلك يوضح ذلك أن الصحابة رضي اللّه عنهم لا يعدلون عن الكتاب والسنة إلى قول أحد . وأما احتجاجهم بتقليد ابن مسعود لعمر فهو ظاهر السقوط ، ولو وافق عمر في بعض المسائل فهو من قبيل موافقة بعض العلماء لبعض ، لاتفاق رأيهم لا لتقليد بعضهم لبعض .