الشنقيطي

339

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وقد خالف ابن مسعود عمر رضي اللّه عنهما في مسائل كثيرة جدا ، كمخالفته له في أم الولد ، لأن ابن مسعود يقول فيها إنها تعتق من نصيب ولدها ، ومن ذلك أن ابن مسعود كان يطبق في ركوعه إلى أن مات ، وعمر كان يضع يديه على ركبتيه . وكان ابن مسعود يقول في الحرام هي يمين وعمر يقول : إنه طلقة واحدة . وكان ابن مسعود يحزم النكاح بين الزانيين وعمر يتوبهما ، وينكح أحدهما الآخر . وكان ابن مسعود يرى بيع الأمة طلاقها ، وعمر يرى عدم ذلك وأمثال هذا كثيرة معلومة . مع أن ابن مسعود يقول : إنه أعلم الصحابة بكتاب اللّه وأنه لو كان أحدا أعلم منه به لرحل إليه . ولم ينكر عليه أحد من الصحابة . وقد قدمنا عنه قوله : كن عالما أو متعلما ولا تكن إمعة . فليس ابن مسعود من أهل التقليد ، مع أن المقلدين المحتجين بتقليد ابن مسعود لعمر ، لا يقلدون ابن مسعود ، ولا عمر ولا غيرهما من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . ولا يأخذون بقول اللّه ولا رسوله وإنما يفضلون على ذلك كله تقليد أحد الأئمة أصحاب المذاهب رحمهم اللّه . وأما استدلالهم على التقليد بأن عبد اللّه كان يدع قوله لقول عمر . وأبو موسى كان يدع قوله لقول علي . وزيد يدع قوله لقول أبي بن كعب فهو ظاهر السقوط أيضا . لأنه من المعلوم أن الصحابة المذكورين رضي اللّه عنهم لا يدعون سنة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لقول أحد ، وهذا لا شك فيه . وكان ابن عمر يدع قول عمر ، إذا ظهرت له السنة . وكان ابن عباس يقول : يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء ، أقول : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وتقولون : قال أبو بكر وعمر . وأما استدلالهم على التقليد بأن معاذا رضي اللّه عنه صلى مسبوقا فصلى ما أدرك مع الإمام أولا ، ثم قضى ما فاته بعد سلام الإمام ، وكانوا قبل ذلك يصلون ما فاتهم أولا ثم يدخلون مع الإمام في الباقي . وأن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال في ذلك « إن معاذا قد سن لكم سنة ، فكذلك فافعلوا » فهو ظاهر