الشنقيطي
335
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
شديد يعلم فيه من قال على اللّه ما لا يعلم أنه لم يكن على شي ا ه محل الغرض منه بلفظه . وعلى كل حال فأنتم أيها المقلدون : تقولون إنه لا يجوز العمل بالوحي إلا بخصوص المجتهدين فلم سوغتم لأنفسكم الاستدلال على التقليد بآية : فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( 43 ) [ النحل : 43 ] ، وآية فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ [ التوبة : 122 ] . هل رجعتم عن قولكم بأن الاستدلال بالوحي لا يجوز لغير المجتهد ، أو ارتكبتم ما تعتقدون أنه حرم من استدلالكم بالقرآن مع شدة بعدكم عن رتبة الاجتهاد ؟ وفي هذا رد إجمالي ما استدللتم به على التقليد الذي أنتم عليه . ثم يقال : أليست هذه الآيات التي استدللتم بها في زعمكم ، من ظواهر الكتاب ، التي سن لكم الصاوي وأمثاله ، أن العمل بها من أصول الكفر . فإنه لم يستثن شيئا من ظواهر القرآن يكون العمل به ليس من أصول الكفر . فلم تجرأتم على شيء هو من أصول الكفر وسوغتم لأنفسكم الاستدلال بالقرآن ، مع أنه لا يجوز عندكم إلا للمجتهدين . وسنذكر رد استدلال المقلدين تفصيلا ، بإيجاز إن شاء اللّه تعالى . أما استدلالهم بآية فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( 43 ) [ النحل : 43 ] فهو استدلال في غير محله . فإن الآية لا تدل على هذا النوع من التقليد الأعمى الذي هو عليه من التزام جميع أقوال رجل واحد وترك جميع ما سواها . ولا شك أن المراد بأهل الذكر أهل الوحي الذين يعلمون ما جاء من عند اللّه كعلماء الكتاب والسنة . فقد أمروا أن يسألوا أهل الذكر ليفتوهم بمقتضى ذلك الذكر الذي هو الوحي . ومن سأل عن الوحي وأعلم به ، وبين له كان عمله به اتباعا للوحي لا تقليدا واتباع الوحي لا نزاع في صحته . وإن كانت الآية تدل على نوع تقليد في الجملة ، فهي لا تدل إلا على التقليد الذي قدمنا أنه لا خلاف فيه بين المسلمين ، وهو تقليد العامي الذي تنزل به النازلة عالما من العلماء ، وعمله بما أفتاه به من غير التزام منه لجميع ما يقوله ذلك العالم ، ولا تركه لجميع ما يقوله غيره . وأما استدلالهم بالحديث الوارد في الرجل الذي أصابته شجة في رأسه ، ثم احتلم فسأل أصحابه : هل يعلمون له رخصة في التيمم ؟