الشنقيطي
306
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
فتأمل قوله : فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً ( 59 ) ، بعد قوله : ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمنُ ، تعلم أن من وصف الرحمن بالاستواء على العرش خبير بالرحمن وبصفاته لا يخفى عليه اللائق من الصفات وغير اللائق . فالذي نبأنا بأنه استوى على عرشه هو العليم الخبير الذي هو الرحمن . وقد قال تعالى : وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ( 14 ) [ فاطر : 14 ] . وبذلك تعلم أن من يدعي أن الاستواء يستلزم التشبيه ، وأنه غير لائق غير خبير ، نعم واللّه هو غير خبير . وسنذكر هنا إن شاء اللّه أن أئمة المتكلمين المشهورين رجعوا كلهم عن تأويل الصفات . أما كبيرهم الذي هو أفضل المتكلمين المنتسبين إلى أبي الحسن الأشعري ، وهو القاضي محمد بن الطيب المعروف بأبي بكر الباقلاني ، فإنه كان يؤمن بالصفات على مذهب السلف ويمنع تأويلها منعا باتا ، ويقول فيها بمثل ما قدمنا عن الأشعري . وسنذكر لك هنا بعض كلامه . قال الباقلاني المذكور في كتاب التمهيد ما نصه : باب في أن للّه وجها ويدين ، فإن قال قائل . فما الحجة في أن للّه عز وجل وجها ويدين ؟ قيل له قوله : وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ ( 27 ) [ الرحمن : 27 ] . وقوله : ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ ص : 75 ] ، فأثبت لنفسه وجها ويدين . فإن قالوا : فما أنكرتم أن يكون المعنى في قوله خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أنه خلقه بقدرته أو بنعمته ، لأن اليد في اللغة قد تكون بمعنى النعمة ، وبمعنى القدرة ، كما يقال : لي عند فلان يد بيضاء . يراد به نعمة . وكما يقال : هذا الشيء في يد فلان وتحت يد فلان ، يراد به أنه تحت قدرته وفي ملكه . ويقال : رجل أيد إذا كان قادرا . وكما قال تعالى : خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً [ يس : 71 ] يريد عملنا بقدرتنا . وقال الشاعر : إذا ما راية رفعت لمجد * تلقاها عرابة باليمين