الشنقيطي
302
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الخصوص ، فليس هو على حقيقة الظاهر ؟ وليس يجوز أن يعدل بما ظاهره العموم عن العموم بغير حجة ؟ كذلك قول اللّه عز وجل لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ ص : 75 ] على ظاهره وحقيقته من إثبات اليدين ، ولا يجوز أن يعدل به عن ظاهر اليدين إلى ما ادعاه خصومنا إلا بحجة . ولو جاز ذلك لمدع أن يدعي أن ما ظاهره العموم ، فهو على الخصوص ، وما ظاهره الخصوص فهو على العموم بغير حجة . وإذا لم يجز هذا لمدعيه بغير برهان ، لم يجز لكم ما ادعيتموه ، أنه مجاز بغير حجة . بل واجب أن يكون قوله لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ إثبات يدين للّه تعالى في الحقيقة غير نعمتين إذا كانت النعمتان لا يجوز عند أهل اللسان أن يقول قائلهم : فعلت بيدي وهو يعني النعمتين . ا ه محل الغرض منه بلفظه . وفيه تصريح أبي الحسن الأشعري رحمه اللّه ، بأن صفات اللّه كصفة اليد ثابتة له حقيقة لا مجازا ، وأن المدعين أنها مجازهم خصومه وهو خصمهم كما ترى . وإنما قال رحمه اللّه : إنه تعالى متصف بها حقيقة لا مجازا ، لأنه لا يشك في أن ظاهر صفة اللّه هو مخالفة صفة الخلق ، وتنزيهها عن مشابهتها كما هو شأن السلف الصالح كلهم . فإثبات الحقيقة ونفي المجاز في صفات اللّه هو اعتقاد كل مسلم طاهر القلب من أقذار التشبيه ، لأنه لا يسبق إلى ذهنه من اللفظ الدال على الصفة كصفة اليد والوجه إلا أنها صفة كمال منزهة عن مشابهة صفات الخلق . فلا يخطر في ذهنه التشبيه الذي هو سبب نفي الصفة وتأويلها بمعنى لا أصل له . تنبيه مهم فإن قيل دل الكتاب والسنة وإجماع السلف على أن اللّه وصف نفسه بصفة اليدين كقوله تعالى : ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ ص : 75 ] . وقوله تعالى : بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ [ المائدة : 64 ] وقوله تعالى : وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [ الزمر : 67 ] الآية . والأحاديث الدالة على مثل ما دلت عليه الآيات المذكورة كثيرة ، كما هو معلوم ، وأجمع المسلمون على أنه جل وعلا ، لا يجوز أن يوصف بصفة الأيدي مع أنه تعالى قال أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ ( 71 ) [ يس : 71 ] فلم أجمع المسلمون على تقديم آية لما خلقت بيدي على آية مما عملت أيدينا ؟ فالجواب : أنه لا خلاف بين أهل اللسان العربي ولا بين المسلمين أن صيغ الجموع