الشنقيطي
303
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
تأتي لمعنيين أحدهما إرادة التعظيم فقط ، فلا يدخل في صيغة الجمع تعدد أصلا ، لأن صيغة الجمع المراد بها التعظيم ، إنما يراد بها واحد . والثاني أن يراد بصيغة الجمع معنى الجمع المعروف ، وإذا علمت ذلك ، فاعلم أن القرآن العظيم . يكثر فيه جدا إطلاق اللّه جل وعلا ، على نفسه صيغة الجمع ، يريد بذلك تعظيم نفسه ، ولا يريد بذلك تعددا ولا أن معه غيره ، سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا ، كقوله تعالى إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ( 9 ) [ الحجر : 9 ] . فصيغة الجمع في قوله : إِنَّا وفي قوله : نَحْنُ وفي قوله : نَزَّلْنَا وقوله : لَحافِظُونَ ( 9 ) لا يراد بها أن معه منزلا للذكر ، وحافظا له غيره تعالى . بل هو وحده المنزل له والحافظ له ، وكذلك قوله تعالى : أَ فَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ ( 58 ) أَ أَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ ( 59 ) [ الواقعة : 58 - 59 ] وقوله أَ أَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ ( 69 ) [ الواقعة : 69 ] . وقوله : أَ أَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ ( 72 ) [ الواقعة : 72 ] ، ونحو هذا كثير في القرآن جدا ، وبه تعلم أن صيغة الجمع في قوله : إِنَّا . وفي قوله : ( خلقنا ) وفي قوله : عَمِلَتْ أَيْدِينا [ يس : 71 ] إنما يراد بها التعظيم ، ولا يراد بها التعدد أصلا . وإذا كان يراد بها التعظيم ، لا التعدد علم بذلك أنها لا تصح بها معارضة قوله : لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ، لأنها دلت على صفة اليدين ، والجمع في قوله : أَيْدِينا لمجرد التعظيم . وما كان كذلك لا يدل على التعدد فيطلب الدليل من غيره ، فإن دل على أن المراد بالتعظيم واحد حكم بذلك ، كالآيات المتقدمة . وإن دل على معنى آخر حكم به . فقوله مثلا : وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ( 9 ) قام فيه البرهان القطعي أنه حافظ واحد ، وكذلك قوله : أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ ( 59 ) ، أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ ( 69 ) ، أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ ( 72 ) فإنه قد قام في كل ذلك البرهان القطعي على أنه خالق واحد ، ومنزل واحد ، ومنشىء واحد . وأما قوله : مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا فقد دل البرهان القطعي ، على أن اللّه موصوف بصفة اليدين كما صرح به في قوله : لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ ص : 75 ] كما تقدم إيضاحه قريبا . وقد علمت أن صيغة الجمع في قوله : لَحافِظُونَ ( 9 ) [ الحجر : 9 ] ، وقوله : أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ ( 59 ) [ الواقعة : 59 ] وقوله : أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ ( 69 ) [ الواقعة : 69 ] وقوله : أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ ( 72 ) [ الواقعة : 72 ] وقوله : خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا [ يس : 71 ] لا يراد بشيء منه معنى الجمع ، وإنما يراد به التعظيم فقط . وقد أجاب أبو الحسن الأشعري رحمه اللّه في كتاب الإبانة بما يقرب من هذا في