عبد الرحمن بن ناصر السعدي

39

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان

التنكير للتعظيم ، وأيّ هداية أعظم من تلك الصفات المذكورة المتضمنة للعقيدة الصحيحة والأعمال المستقيمة ، وهل الهداية في الحقيقة إلا هدايتهم وما سواها مما خالفها ، فهي ضلالة . وأتى ب « على » في هذا الموضع ، الدالة على الاستعلاء ، وفي الضلالة يأتي ب « في » كما في قوله : وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ لأن صاحب الهدى مستعل بالهدى ، مرتفع به ، وصاحب الضلال منغمس فيه محتقر . ثم قال : وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ والفلاح هو الفوز بالمطلوب والنجاة من المرهوب ، حصر الفلاح فيهم ؛ لأنه لا سبيل إلى الفلاح إلا بسلوك سبيلهم ، وما عدا تلك السبيل فهي سبل الشقاء والهلاك والخسارة التي تفضي بسالكها إلى الهلاك ، فلهذا ، لما ذكر صفات المؤمنين حقا ، ذكر صفات الكفار المظهرين لكفرهم المعاندين للرسول فقال : [ 6 - 7 ] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 6 ) خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 7 ) ، يخبر تعالى أن الذين كفروا ، أي : اتصفوا بالكفر ، وانصبغوا به ، وصار وصفا لهم لازما ، لا يردعهم عنه رادع ، ولا ينجع فيهم وعظ ، إنهم مستمرون على كفرهم ، فسواء عليهم أأنذرتهم ، أم لم تنذرهم لا يؤمنون ، وحقيقة الكفر هو الجحود لما جاء به الرسول ، أو جحد بعضه ، فهؤلاء الكفار لا تفيدهم الدعوة إلا إقامة الحجة ، وكأن في هذا قطعا لطمع الرسول صلى اللّه عليه وسلم في إيمانهم ، وأنك لا تأس عليهم ، ولا تذهب نفسك عليهم حسرات . [ 7 ] ثم ذكر الموانع المانعة لهم من الإيمان فقال : خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ ، أي : طبع عليها بطابع لا يدخلها الإيمان ، ولا ينفذ فيها فلا يعون ما ينفعهم ، ولا يسمعون ما يفيدهم . وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ ، أي : غشاء وغطاء وأكنة تمنعها من النظر الذي ينفعهم ، وهذه طرق العلم والخير قد سدت عليهم ، فلا مطمع فيهم ، ولا خير يرجى عندهم ، وإنما منعوا ذلك ، وسدّت عنهم أبواب الإيمان بسبب كفرهم وجحودهم ومعاندتهم بعد ما تبين لهم الحق ، كما قال تعالى : وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ، وهذا عقاب عاجل . ثم ذكر العقاب الآجل فقال : وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ وهو عذاب النار ، وسخط الجبار المستمر الدائم . [ 8 - 10 ] ثم قال تعالى في وصف المنافقين الذين ظاهرهم الإسلام وباطنهم الكفر : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ( 8 ) يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ ( 9 ) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ ( 10 ) ، واعلم أن النفاق هو : إظهار الخير وإبطان الشر ، ويدخل في هذا التعريف النفاق الاعتقادي والنفاق العملي ، كالذي ذكره النبي صلى اللّه عليه وسلم في قوله : « آية المنافق ثلاث : إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا ائتمن خان » ، وفي رواية : « وإذا خاصم فجر » . وأما النفاق الاعتقادي المخرج عن دائرة الإسلام ، فهو الذي وصف اللّه به المنافقين في هذه السورة وغيرها ، ولم يكن النفاق موجودا قبل هجرة النبي صلى اللّه عليه وسلم من مكة إلى المدينة ، ولا بعد الهجرة ، حتى كانت وقعة « بدر » وأظهر اللّه المؤمنين وأعزهم ، فذلّ من في المدينة ممن لم يسلم ، فأظهر الإسلام بعضهم خوفا ومخادعة ، ولتحقن دماؤهم ، وتسلم أموالهم ، فكانوا بين أظهر المسلمين في الظاهر أنهم منهم ، وفي الحقيقة ليسوا منهم . فمن لطف اللّه بالمؤمنين أن جلا أحوالهم ووصفهم بأوصاف يتميزون بها ، لئلا يغتر بهم المؤمنون ، ولينقمعوا أيضا عن كثير من فجورهم . وقال تعالى : يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ ، فوصفهم اللّه بأصل النفاق فقال : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ( 8 ) فإنهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ، فأكذبهم اللّه بقوله : وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ لأن الإيمان الحقيقي ، ما تواطأ عليه القلب واللسان ، وإنما هذا مخادعة للّه ولعباده المؤمنين . والمخادعة : أن يظهر المخادع لمن يخادعه شيئا ، ويبطن خلافه لكي يتمكن من مقصوده ممن يخادع ، فهؤلاء المنافقون سلكوا مع اللّه وعباده هذا المسلك ، فعاد خداعهم على أنفسهم ، وهذا من العجائب ، لأن المخادع ، إما أن ينتج خداعه ويحصل له مقصوده ، أو يسلم ، لا