عبد الرحمن بن ناصر السعدي
40
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان
له ولا عليه ، وهؤلاء عاد خداعهم على أنفسهم ، وكأنهم يعملون ما يعملون من المكر لإهلاك أنفسهم وإضرارها وكيدها ؛ لأن اللّه تعالى لا يتضرر بخداعهم شيئا ، وعباده المؤمنون لا يضرهم كيدهم شيئا ، فلا يضر المؤمنين إن أظهر المنافقون الإيمان ، فسلمت بذلك أموالهم وحقنت دماؤهم ، وصار كيدهم في نحورهم ، وحصل لهم بذلك الخزي والفضيحة في الدنيا ، والحزن المستمر بسبب ما يحصل للمؤمنين من القوة والنصرة . ثم في الآخرة ، لهم العذاب الأليم الموجع المفجع ، بسبب كذبهم وكفرهم وفجورهم ، والحال أنهم - من جهلهم وحماقتهم - لا يشعرون بذلك . [ 10 ] وقوله : فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ المراد بالمرض هنا : مرض الشك ، والشبهات ، والنفاق ، وذلك أن القلب يعرض له مرضان يخرجانه عن صحته واعتداله : مرض الشبهات الباطلة ، ومرض الشهوات المردية ، فالكفر والنفاق ، والشكوك والبدع ، كلها من مرض الشبهات ، والزنا ، ومحبة الفواحش والمعاصي وفعلها ، من مرض الشهوات ، كما قال تعالى : فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وهو شهوة الزنا ، والمعافى من عوفي من هذين المرضين ، فحصل له اليقين والإيمان ، والصبر عن كل معصية ، فرفل في أثواب العافية . وفي قوله عن المنافقين : فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً بيان لحكمته تعالى في تقدير المعاصي على العاصين ، وأنه بسبب ذنوبهم السابقة ، يبتليهم بالمعاصي اللاحقة الموجبة لعقوباتها كما قال تعالى : وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ، وقال تعالى : فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ، وقال تعالى : وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ ، فعقوبة المعصية ، المعصية بعدها ، كما أن من ثواب الحسنة ، الحسنة بعدها ، قال تعالى : وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً . [ 11 ] أي : إذا نهي هؤلاء المنافقون عن الإفساد في الأرض ، وهو العمل بالكفر والمعاصي ، ومنه إظهار سرائر المؤمنين لعدوهم وموالاتهم للكافرين : قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ ، فجمعوا بين العمل بالفساد في الأرض ، وإظهار أنه ليس بإفساد بل هو إصلاح ، قلبا للحقائق وجمعا بين فعل الباطل واعتقاده حقا ، وهؤلاء أعظم جناية ممن يعمل بالمعاصي ، مع اعتقاد تحريمها ، فهذا أقرب للسلامة ، وأرجى لرجوعه . ولما كان في قولهم : إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ حصر للإصلاح في جانبهم - وفي ضمنه أن المؤمنين ليسوا من أهل الإصلاح - قلب اللّه عليهم دعواهم بقوله : [ 12 ] أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ فإنه لا أعظم إفسادا ممن كفر بآيات اللّه ، وصدّ عن سبيل اللّه وخادع اللّه وأولياءه ، ووالى المحاربين للّه ورسوله ، وزعم - مع هذا - أن هذا إصلاح ، فهل بعد هذا الفساد فساد ؟ ولكن لا يعلمون علما ينفعهم ، وإن كانوا قد علموا بذلك علما تقوم به عليهم حجة اللّه ، وإنما كان العمل في الأرض إفسادا ، لأنه سبب لفساد ما على وجه الأرض من الحبوب والثمار والأشجار ، والنبات ، لما يحصل فيها من الآفات التي سببها المعاصي . ولأن الإصلاح في الأرض أن تعمر بطاعة اللّه والإيمان به ، لهذا خلق اللّه الخلق ، وأسكنهم الأرض ، وأدر عليهم الأرزاق ، ليستعينوا بها على طاعته وعبادته . فإذا عمل فيها بضده ، كان سعيا فيها بالفساد ، وإخرابا لها عما خلقت له . [ 13 ] أي : إذا قيل للمنافقين آمنوا كما آمن الناس ، أي : كإيمان الصحابة رضي اللّه عنهم ، وهو الإيمان بالقلب واللسان ، قالوا - بزعمهم الباطل - أنؤمن كما آمن السفهاء ؟ يعنون - قبّحهم اللّه - الصحابة رضي اللّه عنهم ، لزعمهم أن سفههم أوجب لهم الإيمان ، وترك الأوطان ، ومعاداة الكفار ، والعقل عندهم يقتضي ضد ذلك ، فنسبوهم إلى السفه ؛ وفي ضمن ذلك ، أنهم هم العقلاء أرباب الحجا والنهى . فرد اللّه ذلك عليهم ، وأخبر أنهم هم السفهاء على الحقيقة ، لأن حقيقة السفه ، جهل الإنسان بمصالح نفسه ، وسعيه فيما يضرها ، وهذه الصفة منطبقة عليهم ، كما أن العقل والحجا ، معرفة الإنسان بمصالح نفسه ، والسعي فيما ينفعه ، وفي دفع ما يضره ، وهذه الصفة منطبقة على الصحابة والمؤمنين . فالعبرة بالأوصاف والبرهان ، لا بالدعاوى المجردة ، والأقوال الفارغة .