الشنقيطي
7
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وفيه : إشارة إلى بيان السبب في رفع تلاوتها ، وهو الاختلاف . وأخرج الحاكم من طريق كثير بن الصلت قال : كان زيد بن ثابت ، وسعيد بن العاص يكتبان في المصحف ، فمرا على هذه الآية فقال زيد : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم يقول : الشيخ والشيخة فارجموهما البتة ، فقال عمر : لما نزلت أتيت النبي صلى اللّه عليه وسلّم فقلت : أكتبها فكأنه كره ذلك فقال عمر : ألا ترى أن الشيخ إذا زنى ، ولم يحصن جلد ، وأن الشاب إذا زنى وقد أحصن رجم « 1 » . فيستفاد من هذا الحديث السبب في نسخ تلاوتها لكون العمل على غير الظاهر من عمومها . انتهى بطوله من فتح الباري . وفيه الدلالة الظاهرة على ما ذكرنا من أن آية الرجم منسوخة التلاوة ، باقية الحكم ، وأنها مخصصة لآية الجلد ، على القول بعدم الجمع بين الرجم والجلد ، كما تقدم . ولكن ما أشار إليه ابن حجر من استفادة سبب نسخ تلاوتها من بعض الأحاديث المذكورة غير ظاهر ، لأن كثيرا من الآيات يبين النبي صلى اللّه عليه وسلّم تخصيص عمومه ، ويوضح المقصود به وإن كان خلاف الظاهر المتبادر منه ، ولم يؤد شيء من ذلك إلى نسخ تلاوته كما هو معلوم ، والآية القرآنية عند نزولها تكون لها أحكام متعددة ، كالتعبد بتلاوتها ، وكالعمل بما تضمنته من الأحكام الشرعية ، والقراءة بها في الصلاة ، ونحو ذلك من الأحكام . وإذا أراد اللّه أن ينسخها بحكمته فتارة ينسخ جميع أحكامها من تلاوة ، وتعبد ، وعمل بما فيها من الأحكام كآية عشر رضعات معلومات يحرمن ، وتارة ينسخ بعض أحكامها دون بعض ، كنسخ حكم تلاوتها ، والتعبد بها مع بقاء ما تضمنته من الأحكام الشرعية ، وكنسخ حكمها دون تلاوتها . والتعبد بها كما هو غالب ما في القرآن من النسخ . وقد أوضحنا جميع ذلك بأمثلته في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ [ النحل : 101 ] الآية . وله الحكمة البالغة في جميع ما يفعله من ذلك . فآية الرجم المقصود منها إثبات حكمها ، لا التعبد بها ، ولا تلاوتها ، فأنزلت وقرأها الناس ، وفهموا منها حكم الرجم ، فلما تقرر ذلك في نفوسهم نسخ اللّه تلاوتها ، والتعبد بها ، وأبقى حكمها الذي هو المقصود . واللّه جل وعلا أعلم . فالرجم ثابت في القرآن وما سيأتي عن علي رضي اللّه عنه أنه قال : جلدتها بكتاب اللّه ، ورجمتها بسنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، لا ينافي ذلك ، لأن السنة هي التي بينت أن حكم آية الرجم باق بعد نسخ تلاوتها فصار حكمها من هذه الجهة ، كأنه ثابت بالسنة . واللّه تعالى
--> ( 1 ) المستدرك ، كتاب الحدود 4 / 360 .