الشنقيطي

99

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

حاتم ، والبيهقي في الشعب عن أنس في قوله وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً قال : واد في جهنم من قيح ودم . وأخرج أحمد في الزهد ، وابن جرير ، وابن أبي حاتم ، والبيهقي عن ابن عمر في قوله وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً ( 52 ) قال : هو واد عميق في النار ، فرق اللّه به يوم القيامة بين أهل الهدى والضلالة . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عمرو البكالي قال : الموبق الذي ذكر اللّه : واد في النار ، بعيد القعر ، يفرق اللّه به يوم القيامة بين أهل الإسلام وبين من سواهم من الناس . وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله تعالى مَوْبِقاً قال : هو نهر يسيل نارا على حافتيه حيات أمثال البغال الدهم ، فإذا ثارت إليهم لتأخذهم استغاثوا بالاقتحام في النار منها . وأخرج ابن أبي حاتم عن كعب قال : إن في النار أربعة أودية يعذب اللّه بها أهلها : غليظ ، وموبق ، وأثام ، وغي . انتهى كلام صاحب الدر المنثور . ونقل ابن جرير عن بعض أهل العلم بكلام العرب من أهل البصرة : أن الموبق : الموعد ، واستدل لذلك بقول الشاعر : وحاد شروري والستار فلم يدع * تعارا له والواديين بموبق يعني بموعد . والتحقيق : أن الموبق المهلك ، من قولهم وبق يبق ، كوعد بعد : إذا هلك . وفيه لغة أخرى وهي وبق يوبق كرجل يوجل . ولغة ثالثة أيضا وهي : وبق يبق كورث يرث . ومعنى كل ذلك : الهلاك . والمصدر من وبق - بالفتح - الوبوق على القياس ، والوبق . ومن وبق - بالكسر - الوبق بفتحتين على القياس . وأوبقته ذنوبه : أهلكته ، ومن هذا المعنى قوله تعالى : أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا [ الشورى : 34 ] أي يهلكهن ، ومنه الحديث ، « فموبق نفسه أو بائعها فمعتقها » « 1 » وحديث « السبع الموبقات » « 2 » أي المهلكات ، ومن هذا المعنى قول زهير : ومن يشتري حسن الثناء بماله * يصن عرضه عن كل شنعاء موبق وقول من قال ، إن الموبق العداوة ، وقول من قال : إنه المجلس - كلاهما ظاهر السقوط . والتحقيق فيه هو ما قدمنا . وأما الأقوال العلماء في المراد بلفظه « بين » فعلى قول الحسن ومن وافقه : أن الموبق العداوة - فالمعنى واضح ؛ أي وجعلنا بينهم عداوة ؛ كقوله : الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ [ الزخرف : 67 ] الآية ، وقوله : وَقالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً [ العنكبوت : 25 ] الآية ، إلى غير ذلك من الآيات . ولكن تفسير الموبق بالعداوة بعيد كما قدمنا . وقال بعض العلماء : المراد بالبين في الآية : الوصل ؛ أي وجعلنا

--> ( 1 ) أخرجه عن أبي مالك الأشعري : مسلم في الطهارة حديث 1 ، والترمذي في الدعوات حديث 3517 ، وابن ماجة في الطهارة وسننها حديث 280 . ( 2 ) أخرجه عن أبي هريرة : البخاري في الوصايا حديث 2766 ، ومسلم في الإيمان حديث 145 .