الشنقيطي
100
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
تواصلهم في الدنيا ملكا لهم يوم القيامة ؛ كما قال تعالى : إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ ( 166 ) [ البقرة : 166 ] أي المواصلات التي كانت بينهم في الدنيا . وكما قال : كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا ( 82 ) [ مريم : 82 ] ، وكما قال تعالى : ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً [ العنكبوت : 25 ] ونحو ذلك من الآيات . وقال بعض العلماء : وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً ( 52 ) : جعلنا الهلاك بينهم ؛ لأن كلا منهم معين على هلاك الآخر لتعاونهم على الكفر والمعاصي فهم شركاء في العذاب ؛ كما قال تعالى : وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ [ الزخرف : 39 ] ، وقوله : قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ ( 38 ) [ الأعراف : 38 ] ومعنى هذا القول مروي عن ابن زيد . وقال بعض العلماء : وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً ( 52 ) : أي بين المؤمنين والكافرين موبقا ، أي مهلكا يفصل بينهم ، فالداخل فيه ، في هلاك ، والخارج عنه في عافية . وأظهر الأقوال عندي وأجراها على ظاهر القرآن ، أن المعنى : وجعلنا بين الكفار وبين من كانوا يعبدونهم ويشركونهم مع اللّه موبقا أي مهلكا ، لأن الجميع يحيط بهم الهلاك من كل جانب ، كما قال تعالى : لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ [ الزمر : 16 ] الآية ، وقوله : لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ [ الأعراف : 41 ] الآية ، وقوله : إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ [ الأنبياء : 98 ] الآية . وقال ابن الأعرابي : كل شيء حاجز بين شيئين يسمى موبقا ، نقله عنه القرطبي . وبما ذكرنا تعلم أن الضمير في قوله « بينهم » قيل راجع إلى أهل النار . وقيل راجع إلى أهل الجنة وأهل النار معا . وقيل راجع للمشركين وما كانوا يعبدونه من دون اللّه . وهذا هو أظهرها لدلالة ظاهره السياق عليه ، لأن اللّه يقول : وَيَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ [ الكهف : 52 ] ثم قال مخبرا عن العابدين والمعبودين : وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً ( 52 ) [ الكهف : 52 ] أي مهلكا يفصل بينهم ويحيط بهم . وهذا المعنى كقوله : وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ [ يونس : 28 ] الآية . أي فرقنا بينهم . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : وَيَوْمَ يَقُولُ قرأه عامة السبعة ما عدا حمزة بالياء المثناة التحتية ، وقرأه حمزة « نقول » بنون العظمة ، وعلى قراءة الجمهور فالفاعل ضمير يعود إلى اللّه ، أي يقول هو أي اللّه . قوله تعالى : وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً ( 53 ) [ 53 ] . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أن المجرمين يرون النار يوم القيامة ، ويظنون أنهم مواقعوها ، أي مخالطوها وواقعون فيها . والظن في هذه الآية بمعنى اليقين ؛ لأنهم