الشنقيطي

95

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ [ هود : 53 ] أي بسببه وأن المعنى : ففسق عن أمر ربه ، أي بسبب أمره حيث لم يمتثله ، ولا غير ذلك من الأقوال . وقوله في هذه الآية الكريمة : أَ فَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا ( 50 ) الهمزة فيه للإنكار والتوبيخ ، ولا شك أن فيها معنى الاستبعاد كما تقدم نظيره مرارا . أي أبعد ما ظهر منه من الفسق والعصيان ، وشدة العداوة لكم ولأبويكم آدم وحواء - تتخذونه وذريته أولياء من دون خالقكم جل وعلا ! بئس للظالمين بدلا من اللّه إبليس وذريته ! وقال لِلظَّالِمِينَ لأنهم اعتاضوا الباطل من الحق ، وجعلوا مكان ولايتهم للّه ولايتهم لإبليس وذريته . وهذا من أشنع الظلم الذي هو في اللغة : وضع الشيء في غير موضعه ؛ كما تقدم مرارا . والمخصوص بالذم في الآية محذوف دل عليه المقام ، وتقديره : بئس البدل من اللّه إبليس وذريته . وفاعل « بئس » ضمير محذوف يفسره التمييز الذي هو « بدلا » على حد قوله له في الخلاصة : ويرفعان مضمرا يفسره * مميز كنعم قوما معشره والبدل : العوض من الشيء ، وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من عداوة الشيطان لبني آدم جاء مبينا في آيات أخر ؛ كقوله : إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا [ فاطر : 6 ] . وكذلك الأبوان ، كما قال تعالى : فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى ( 117 ) [ طه : 117 ] . وقد بين في غير هذا الموضع : أن الذين اتخذوا الشياطين أولياء بدلا من ولاية اللّه يحسبون أنهم في ذلك على حق ؛ كقوله تعالى : إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ( 30 ) [ الأعراف : 30 ] . وبين في مواضع أخر أن الكفار أولياء الشيطان ؛ كقوله تعالى : وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ [ النساء : 76 ] الآية ، وقوله تعالى : إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ( 27 ) [ الأعراف : 27 ] ، وقوله تعالى : وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ [ البقرة : 257 ] الآية ، وقوله : إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 175 ) [ آل عمران : 175 ] ، إلى غير ذلك من الآيات . وقوله في هذه الآية الكريمة : وَذُرِّيَّتَهُ دليل على أن للشيطان ذرية ؛ فادعاء أنه لا ذرية له مناقض لهذه الآية مناقضة صريحة كما ترى . وكل ما ناقض صريح القرآن فهو باطل بلا شك ! ولكن طريقة وجود نسله هل هي عن تزويج أو غيره . لا دليل عليها من نص صريح ، والعلماء مختلفون فيها . وقال الشعبي : سألني الرجل : هل لإبليس زوجة ؟ فقلت : إن ذلك عرس لم أشهده ! ثم ذكرت قوله تعالى : أَ فَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي فعلمت أنه لا تكون ذرية إلا من زوجة فقلت : نعم . وما فهمه الشعبي من هذه الآية من أن