الشنقيطي
9
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وَأَبْقى ( 17 ) [ الأعلى : 17 ] إلى غير ذلك من الآيات . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً ( 4 ) أي ينذرهم بأسا شديدا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً ( 2 ) [ الكهف : 2 ] أي من عنده كما تقدم . وهذا من عطف الخاص على العام ، لأن قوله لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ [ الكهف : 2 ] شامل للذين قالوا اتخذ اللّه ولدا ، ولغيرهم من سائر الكفار . وقد تقرر في فن المعاني : أن عطف الخاص على العام إذا كان الخاص يمتاز عن سائر أفراد العام بصفات حسنة أو قبيحة - من الإطناب المقبول ، تنزيلا للتغاير في الصفات منزلة التغاير في الذوات . ومثاله في الممتاز عن سائر أفراد العام بصفات حسنة قوله تعالى : وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ [ البقرة : 98 ] الآية ، وقوله : وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ [ الأحزاب : 7 ] . ومثاله في الممتاز بصفات قبيحة الآية التي نحن بصددها ، فإن الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً امتازوا عن غيرهم بفرية شنعاء ؛ ولذا ساغ عطفهم على اللفظ الشامل لهم ولغيرهم . والآيات الدالة على شدة عظم فريتهم كثيرة جدا ؛ كقوله هنا : كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ [ الكهف : 5 ] الآية ، وكقوله تعالى : وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً ( 88 ) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا ( 89 ) تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا ( 90 ) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً ( 91 ) وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً ( 92 ) [ مريم : 88 - 92 ] ، وقوله : أَ فَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيماً ( 40 ) [ الإسراء : 40 ] والآيات بمثل هذا كثيرة معلومة . وقد قدمنا أن القرآن بين أن الذين نسبوا الولد للّه سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا ثلاثة أصناف من الناس : اليهود ، والنصارى ، قال تعالى : وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ [ التوبة : 30 ] الآية . والصنف الثالث مشركو العرب ؛ كما قال تعالى عنهم : وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ ( 57 ) [ النحل : 57 ] ، والآيات بنحوها كثيرة معلومة . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ يعني أن ما نسبوه له جل وعلا من اتخاذ الولد لا علم لهم به . لأنه مستحيل . والآية تدل دلالة واضحة على أن نفي الفعل لا يدل على إمكانه ؛ ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى : وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 57 ) [ البقرة : 57 ] لأن ظلمهم لربنا وحصول العلم لهم باتخاذه الولد - كل ذلك مستحيل عقلا ؛ فنفيه لا يدل على إمكانه .