الشنقيطي

86

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

بشير « 1 » ، وعائشة رضي اللّه عنهم . قال مقيده عفا اللّه عنه : التحقيق أن « الباقيات الصالحات » لفظ عام ، يشمل الصلوات الخمس ، والكلمات الخمس المذكورة ، وغير ذلك من الأعمال التي ترضي اللّه تعالى : لأنها باقية لصاحبها غير زائلة . ولا فانية كزينة الحياة الدنيا ، ولأنها أيضا صالحة لوقوعها على الوجه الذي يرضي اللّه تعالى . وقوله خَيْرٌ ثَواباً تقدم معناه . وقوله وَخَيْرٌ أَمَلًا ( 46 ) أي الذي يؤمل من عواقب الباقيات الصالحات ، خير مما يؤمله أهل الدنيا من زينة حياتهم الدنيا وأصل الأمل : طمع الإنسان بحصول ما يرجوه في المستقبل . ونظير هذه الآية الكريمة قوله تعالى في « مريم » : وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ مَرَدًّا ( 76 ) [ مريم : 76 ] والمرد : المرجع إلى اللّه يوم القيامة . وقال بعض العلماء : « مّردّا » مصدر ميمي ، أي وخير ردا للثواب على فاعلها ، فليست كأعمال الكفار التي لا ترد ثوابا على صاحبها . قوله تعالى : وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً ( 47 ) [ 47 ] آية . قوله « ويوم » منصوب باذكر مقدرا . أو بفعل القول المحذوف قبل قوله : وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى [ الأنعام : 94 ] أي قلنا لهم يوم نسير الجبال : لقد جئتمونا فرادى . وقول من زعم أن العامل فيه « خير » يعني والباقيات الصالحات خير يوم نسير الجبال - بعيد جدا كما ترى . وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة : من أن يوم القيامة يختل فيه نظام هذا العام الدنيوي ، فتسير جباله ، وتبقى أرضه بارزة لا حجر فيها ولا شجر ، ولا بناء ولا وادي ولا علم - ذكره في مواضع أخر كثيرة ، فذكر أنه يوم القيامة يحمل الأرض والجبال من أماكنهما ، ويدكهما دكة واحدة ، وذلك في قوله : فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ ( 13 ) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً ( 14 ) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ ( 15 ) [ الحاقة : 13 - 15 ] الآية . وما ذكره من تسيير الجبال في هذه الآية الكريمة ذكره أيضا في مواضع أخر ، كقوله : يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً ( 9 ) وَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْراً ( 10 ) [ الطور : 10 ] ، وقوله : وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً ( 20 ) [ النبأ : 20 ] ، وقوله : وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ ( 3 ) [ التكوير : 3 ] ، وقوله : وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ [ النمل : 88 ] الآية . ثم ذكر في مواضع أخر - أنه جل وعلا يفتتها حتى تذهب صلابتها الحجرية وتلين ، فتكون في عدم صلابتها ولينها كالعهن المنفوش ، وكالرمل المتهايل ، كقوله تعالى : يَوْمَ

--> ( 1 ) أخرجه عن النعمان بن بشير أحمد في المسند 4 / 267 .