الشنقيطي
72
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وفي إعرابه وجهان : أحدهما - أن « الحقّ » مبتدأ ، والجار والمجرور خبره ، أي الحق الذي جئتكم به في هذا القرآن العظيم ، المتضمن لدين الإسلام كائن مبدؤه من ربكم جل وعلا . فليس من وحي الشيطان ، ولا من افتراء الكهنة ، ولا من أساطير الأولين ، ولا غير ذلك . بل هو من خالقكم جل وعلا ، الذي تلزمكم طاعته وتوحيده ، ولا يأتي من لدنه إلا الحق الشامل للصدق في الأخبار ، والعدل في الأحكام ، فلا حق إلا منه جل وعلا . الوجه الثاني - أنه خبر مبتدأ محذوف ، أي هذا الذي جئتكم به الحق . وهذا الذي ذكره تعالى في هذه الآية الكريمة - ذكره أيضا في مواضع أخر ؛ كقوله في سورة « البقرة » : الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ( 147 ) [ البقرة : 147 ] ، وقوله في « آل عمران » : الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ( 60 ) [ آل عمران : 60 ] إلى غير ذلك من الآيات . قوله تعالى : فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ [ 28 ] . ظاهر هذه الآية الكريمة بحسب الوضع اللغوي - التخيير بين الكفر والإيمان - ولكن المراد من الآية الكريمة ليس هو التخيير ، وإنما المراد بها التهديد والتخويف . والتهديد بمثل هذه الصيغة التي ظاهرها التخيير أسلوب من أساليب اللغة العربية . والدليل من القرآن العظيم على أن المراد في الآية التهديد والتخويف - أنه أتبع ذلك بقوله إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقاً ( 29 ) [ الكهف : 29 ] وهذا أصرح دليل على أن المراد التهديد والتخويف ؛ إذ لو كان التخيير على بابه لما توعد فاعل أحد الطرفين المخير بينهما بهذا العذاب الأليم . وهذا واضح كما ترى . وقوله في هذه الآية الكريمة أَعْتَدْنا أصله من الاعتاد ، والتاء فيه أصلية وليست مبدلة من دال على الأصح ؛ ومنه العتاد بمعنى العدة للشيء . ومعنى « اعتدنا » : أرصدنا وأعددنا . والمراد بالظالمين هنا : الكفار ؛ بدليل قوله قبله وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ وقد قدمنا كثرة إطلاق الظلم على الكفر في القرآن ؛ كقوله : وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ( 13 ) [ لقمان : 13 ] ، وقوله تعالى : وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ( 254 ) [ البقرة : 254 ] ، وقوله تعالى : وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ ( 106 ) [ يونس : 106 ] ونحو ذلك من الآيات . وقد قدمنا أن الظلم في لغة العرب : وضع الشيء في غير محله ، ومن أعظم ذلك وضع العبادة في مخلوق . وقد جاء في القرآن إطلاق الظلم على النقص في قوله : وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً [ الكهف : 33 ] وأصل معنى مادة الظلم هو ما ذكرنا من وضع الشيء في غير موضعه ، ولأجل ذلك قيل الذي يضرب اللبن قبل أن يروب : ظالم لوضعه ضرب لبنه في غير موضعه ، لأن ضربه قبل أن يروب يضيع زبده . ومن هذا المعنى قول الشاعر :