الشنقيطي
73
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وقائلة ظلمت لكم سقائي * وهل يخفى على العكد الظليم فقوله « ظلمت لكم سقائي » أي ضربته لكم قبل أن يروب . ومنه قول الآخر في سقاء له ظلمه بنحو ذلك : وصاحب صدق لم تربني شكاته * ظلمت وفي ظلمي له عامدا أجر وفي لغز الحريري في مقاماته في الذي يضرب لبنه قبل أن يروب قال : أيجوز أن يكون الحاكم ظالما ؟ قال : نعم ، إذا كان عالما . ومن ذلك أيضا قولهم للأرض التي حفر فيها وليست محل حفر في السابق : أرض مظلومة ، ومنه قول نابغة ذبيان : إلا الأوارى لأيا ما أبينها * والنؤى كالحوض بالمظلومة الجلد وما زعمه بعضهم من أن « المظلومة » في البيت هي التي ظلمها المطر بتخلفه عنها وقت إبانه المعتاد - غير صواب . والصواب هو ما ذكرنا إن شاء اللّه تعالى . ولأجل ما ذكرنا قالوا للتراب المخرج من القبر عند حفره ظليم بمعنى مظلوم ، لأنه حفر في غير محل الحفر المعتاد ، ومنه قول الشاعر يصف رجلا مات ودفن : فأصبح في غبراء بعد إشاحة * على العيش مرود عليها ظليمها وقوله أَحاطَ بِهِمْ أي أحدق بهم من كل جانب . وقوله سُرادِقُها أصل السرادق واحد السرادقات التي تمد فوق صحن الدار . وكل بيت من كرسف فهو سرادق . والكرسف : القطن ، ومنه قول رؤبة أو الكذاب الحرمازي : يا حكم بن المنذر بن الجارود * سرادق المجد عليك ممدود وبيت مسردق : أن مجعول له سرادق ، ومنه قول سلامة بن جندل يذكر أبريويز وقتله للنعمان بن المنذر تحت أرجل الفيلة : هو المدخل النعمان بيتا سماؤه * صدور الفيول بعد بيت مسردق هذا هو أصل معنى السرادق في اللغة . ويطلق أيضا في اللغة على الحجرة التي حول الفسطاط . وأما المراد بالسرادق في الآية الكريمة ففيه للعلماء أقوال مرجعها إلى شيء واحد ، وهو إحداق النار بهم من كل جانب ، فمن العلماء من يقول « سرادقها » : أي سورها ، قاله ابن الأعرابي وغيره . ومنهم من يقول « سرادقها » : سور من نار ، وهو مروي عن ابن عباس . ومنهم من يقول « سرادقها » : عنق يخرج من النار فيحيط بالكفار كالحظيرة ، قاله الكلبي : ومنهم من يقول : هو دخان يحيط بهم . وهو المذكور في « المرسلات » في قوله تعالى : انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ ( 30 ) لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ ( 31 ) [ المرسلات : 30 - 31 ] ،