الشنقيطي

517

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وقوله في هذه الآية الكريمة : مُغاضِباً أي في حال كونه مغاضبا لقومه . ومعنى المفاعلة فيه : أنه أغضبهم بمفارقته وتخوفهم حلول العذاب بهم ، وأغضبوه حين دعاهم إلى اللّه مدة فلم يجيبوه ، فأوعدهم بالعذاب . ثم خرج من بينهم على عادة الأنبياء عند نزول العذاب قبل أن يأذن اللّه له في الخروج ؛ قاله أبو حيان في البحر . وقال أيضا : وقيل معنى « مغاضبا » غضبان ، وهو من المفاعلة التي لا تقتضي اشتراكا ؛ نحو عاقبت اللص ، وسافرت ا ه . واعلم أن قول من قال مُغاضِباً أي مغاضبا لربه كما روي عن ابن مسعود ، وبه قال الحسن والشعبي وسعيد بن جبير ، واختاره الطبري والقتبي ، واستحسنه المهدوي - يجب حمله على معنى القول الأول ؛ أي مغاضبا من أجل ربه . قال القرطبي بعد أن ذكر هذا القول عمن ذكرنا : وقال النحاس : وربما أنكر هذا من لا يعرف اللغة ، وهو قول صحيح ، والمعنى : مغاضبا من أجل ربه كما تقول : غضبت لك أي من أجلك ، والمؤمن يغضب للّه عز وجل إذا عصى - انتهى منه . والمعنى على ما ذكر : مغاضبا قومه من أجل ربه ، أي ، من أجل كفرهم به ، وعصيانهم له . وغير هذا لا يصح في الآية . وقوله تعالى : فَنادى فِي الظُّلُماتِ . أي ظلمة البحر ، وظلمة الليل ، وظلمة بطن الحوت . « وأن » في قوله أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ مفسرة ، وقد أوضحنا فيما تقدم معنى « أن لا إله » ، ومعنى « سبحانك » ، ومعنى الظلم ، فأغنى ذلك عن إعادته هنا . وقوله : فَاسْتَجَبْنا لَهُ أي أجبناه ونجيناه من الغم الذي هو فيه في بطن الحوت ، وإطلاق استجاب بمعنى أجاب معروف في اللغة ، ومنه قول كعب بن سعد الغنوي : وداع دعا يا من يجيب إلى الندى * فلم يستجبه عند ذاك مجيب وما ذكره اللّه جل وعلا في هذه الآية : من نداء نبيه يونس في تلك الظلمات - هذا النداء العظيم ، وأن اللّه استجاب له ونجاه من الغم أوضحه في غير هذا الموضع . وبين في بعض المواضع : أنه لو لم يسبح هذا التسبيح العظيم للبث في بطن الحوت إلى يوم البعث ولم يخرج منه . وبين في بعضها أنه طرحه بالعراء وهو سقيم . وبين في بعضها : أنه خرج بغير إذن كخروج العبد الآبق ، وأنهم اقترعوا على من يلقى في البحر فوقعت القرعة على يونس أنه هو الذي يلقى فيه . وبين في بعضها : أن اللّه تداركه برحمته ؛ ولو لم يتداركه بها لنبذ بالعراه في حال كونه مذموما ، ولكنه تداركه بها فنبذ غير مذموم ، قال تعالى في « الصافات » : وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ( 139 ) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ( 140 ) فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ ( 141 ) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ ( 142 ) فَلَوْ لا