الشنقيطي
518
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
أنّه كان من المسبّحين ( 143 ) للبث في بطنه إلى يوم يبعثون ( 144 ) * فنبذنه بالعراء وهو سقيم ( 145 ) وأنبتنا عليه شجرة مّن يقطين ( 146 ) وأرسلنه إلى مائة ألف أو يزيدون ( 147 ) فآمنوا فمتّعناهم إلى حين ( 148 ) [ الصافات : 139 - 148 ] . فقوله في آيات « الصافات » المذكورة إِذْ أَبَقَ أي حين أبق ، وهو من قول العرب : عبد آبق ، لأن يونس خرج قبل أن يأذن له ربه ، ولذلك أطلق عليه اسم الإباق . واستحقاق الملامة في قوله : وَهُوَ مُلِيمٌ لأن المليم اسم فاعل ألام إذا فعل ما يستوجب الملام . وقوله : فَساهَمَ أي قارع بمعنى أنه وضع مع أصحاب السفينة سهام القرعة ليخرج سهم من يلقى في البحر . وقوله : فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ أي المغلوبين في القرعة ؛ لأنه خرج له السهم الذي يلقى صاحبه في البحر . ومن ذلك قول الشاعر : قتلنا المدحضين بكل فج * فقد قرت بقتلهم العيون وقوله فَنَبَذْناهُ أي طرحناه ، بأن أمرنا الحوت أن يلقيه بالساحل . والعراء : الصحراء . وقول من قال : العراء الفضاء أو المتسع من الأرض ، أو المكان الخالي أو وجه الأرض - راجع إلى ذلك ، ومنه قول الشاعر وهو رجل من خزاعة : ورفعت رجلا لا أخاف عثارها * ونبذت بالبلد العراء ثيابي وشجرة اليقطين : هي الدباء . وقوله : وَهُوَ سَقِيمٌ أي مريض لما أصابه من التقام الحوت إياه ، وقال تعالى في « القلم » . وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ ( 48 ) لَوْ لا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ ( 49 ) فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ( 50 ) [ القلم : 48 - 50 ] فقوله في آية « القلم » هذه : إِذْ نادى أي نادى أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ، وقوله : وَهُوَ مَكْظُومٌ أي مملوء غما ، كما قال تعالى : وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وهو قول ابن عباس ومجاهد . وعن عطاء وأبي مالك مَكْظُومٌ : مملوء كربا . قال الماوردي : والفرق بين الغم والكرب : أن الغم في القلب . والكرب في الأنفاس . وقيل مَكْظُومٌ محبوس . والكظم : الحبس ؛ ومنه قولهم : كظم غيظه ، أي حبس غضبه ، قاله ابن بحر . وقيل : المكظوم المأخوذ بكظمه ، وهو مجرى النفس ، قاله المبرد - انتهى من القرطبي . وآية « القلم » المذكورة تدل على أن نبي اللّه يونس عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام عجل بالذهاب ومغاضبة قومه ، ولم يصبر الصبر اللازم بدليل قوله مخاطبا نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم فيها : فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ [ القلم : 48 ] الآية . فإن أمره لنبينا صلّى اللّه عليه وسلّم بالصبر ونهيه إياه أن يكون كصاحب الحوت - دليل على أن صاحب الحوت لم يصبر كما ينبغي . وقصة يونس ، وسبب ذهابه ومغاضبته قومه مشهورة مذكورة في كتب التفسير . وقد بين تعالى في سورة « يونس » : أن قوم يونس آمنوا فنفعهم إيمانهم دون غيرهم من سائر القرى التي بعثت إليهم الرسل ، وذلك في قوله : فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا