الشنقيطي

506

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

والخلف للنص أو إجماع دعا * فساد الاعتبار كل من رعى كما قدمناه في سورة « البقرة » . واعلم أن ما يذكره بعض علماء الأصول من المالكية وغيرهم من الإمام مالك رحمه اللّه : من أنه يقدم القياس على أخبار الآحاد خلاف التحقيق . والتحقيق : أنه رحمه اللّه يقدم أخبار الآحاد على القياس . واستقراء مذهبه يدل على ذلك دلالة واضحة ، ولذلك أخذ بحديث المصراة في دفع صاع التمر عوض اللبن . ومن أصرح الأدلة التي لا نزاع بعدها في ذلك : أنه رحمه اللّه يقول : إن في ثلاثة أصابع من أصابع المرأة ثلاثين من الإبل ، وفي أربعة أصابع من أصابعها عشرين من الإبل ؛ كما قدمناه مستوفى في سورة « بني إسرائيل » . ولا شيء أشد مخالفة للقياس من هذا كما قال ربيعة بن أبي عبد الرحمن لسعيد بن المسيب حين عظم جرحها ، واشتدت مصيبتها : نقص عقلها . ومالك خالف القياس في هذا لقول سعيد بن المسيب : إنه السنة كما تقدم . وبعد هذا فلا يمكن لأحد أن يقول : إن مالكا يقدم القياس على النص ، ومسائل الاجتهاد والتقليد مدونة في أصول الفقه ، ولأجل ذلك نكتفي بما ذكرنا من ذلك هنا . المسألة التاسعة [ قول أكثر أهل العلم في الحرث الذي حكم فيه سليمان ] اعلم أن أكثر أهل العلم قالوا : إن الحرث الذي حكم فيه سليمان وداود إذ نقشت فيه غنم القوم بستان عنب : والنفش : رعي الغنم ليلا خاصة ؛ ومنه قول الراجز : بدلن بعد النفش الوجيفا * وبعد طول الجرة الصريفا وقيل : كان الحرث المذكور زرعا ، وذكروا أن داود حكم بدفع الغنم لأهل الحرث عوضا من حرثهم الذي نفشت فيه فأكلته . وقال بعض أهل العلم : اعتبر قيمة الحرث فوجد الغنم بقدر القيمة فدفعها إلى أصحاب الحرث . إما لأنه لم يكن لهم دراهم أو تعذر بيعها ، ورضوا بدفعها ورضي أولئك بأخذها بدلا من القيمة . وأما سليمان فحكم بالضمان على أصحاب الغنم ، وأن يضمنوا ذلك بالمثل بأن يعمروا البستان حتى يعود كما كان حين نفشت فيه غنمهم . ولم يضيع عليهم غلته من حين الإتلاف إلى حين العود ، بل أعطى أصحاب البستان ماشية أولئك ليأخذوا من نمائها بقدر نماء البستان فيستوفوا من نماء غنمهم نظير ما فاتهم من نماء حرثهم . وقد اعتبر النماءين فوجدهما سواء ، قالوا : وهذا هو العلم الذي خصه اللّه به ، وأثنى عليه بإدراكه . هكذا يقولون ، واللّه تعالى أعلم . المسألة العاشرة [ اختلاف العلماء في مثل هذه القصة ] اعلم أن العلماء اختلفوا في مثل هذه القصة ؛ فلو نفشت غنم قوم في حرث آخرين