الشنقيطي
507
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
فتحاكموا إلى حاكم من حكام المسلمين فماذا يفعل ؟ اختلف العلماء في ذلك ؛ فذهب أكثر أهل العلم إلى أن ما أفسدته البهائم ليلا يضمنه أرباب الماشية بقيمته ، وهو المشهور من مذهب مالك والشافعي وأحمد رحمهم اللّه . وقيل : يضمنونه بمثله كقضية سليمان . قال ابن القيم : وهذا هو الحق . وهو أحد القولين في مذهب أحمد ، ووجه الشافعية والمالكية ، والمشهور عنهم خلافه . والآية تشير إلى اختصاص الضمان بالليل ؛ لأن النفش لا يطلق لغة إلا على الرعي بالليل كما تقدم . واحتج الجمهور لضمان أصحاب البهائم ما أفسدته ليلا بحديث حرام بن محيّصة : أن ناقة البراء بن عازب دخلت حائطا فأفسدت فيه ؛ فقضى نبي اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أن على أهل الحوائط حفظها بالنهار ، وأن ما أفسدت المواشي بالليل ضامن على أهلها » رواه الأئمة : مالك « 1 » ، والشافعي « 2 » ، وأحمد وأبو داود « 3 » ، وابن ماجة « 4 » والدارقطني « 5 » ، وابن حبان « 6 » . وصححه الحاكم « 7 » فقال بعد أن ساق الحديث المذكور : هذا حديث صحيح الإسناد على خلاف فيه بين معمر والأوزاعي : فإن معمرا قال : عن الزهري عن حرام بن محيصة عن أبيه ، وأقره الذهبي على تصحيحه ولم يتعقبه . وقال الشوكاني رحمه اللّه في ( نيل الأوطار ) في الحديث المذكور : صححه الحاكم والبيهقي . قال الشافعي : أخذنا به لثبوته واتصاله ومعرفة رجاله ا ه منه . والاختلاف على الزهري في رواية هذا الحديث كثير معروف . وقال ابن عبد البر : وهذا الحديث وإن كان مرسلا فهو حديث مشهور ، أرسله الأئمة ، وحدث به الثقات ، واستعمله فقهاء الحجاز وتلقوه بالقبول ، وجرى في المدينة العمل به ، وحسبك باستعمال أهل المدينة وسائر أهل الحجاز لهذا الحديث ، وعلى كل حال فالحديث المذكور احتج به جمهور العلماء ، منهم الأئمة الثلاثة المذكورون على أن ما أفسدته البهائم بالليل على أربابها ، وفي النهار على أهل الحوائط حفظها . ومشهور مذهب مالك وأحمد والشافعي أنه يضمن بقيمته كما تقدم . وأبو حنيفة يقول : لا ضمان مطلقا في جناية البهائم ، ويستدل بالحديث الصحيح : « العجماء جبار » « 8 » أي جرحها هدر . والجمهور يقولون : إن الحديث المذكور عام وضمان ما أفسدته ليلا مخصص له . وذهب داود ومن وافقه إلى أن ما
--> ( 1 ) كتاب الأقضية حديث 37 . ( 2 ) ترتيب المسند 5 / 435 ، 436 . ( 3 ) كتاب البيوع والإجارات حديث 3569 . ( 4 ) كتاب الأحكام حديث 2332 . ( 5 ) كتاب الحدود والديات حديث ( 222 ) 3 / 156 . ( 6 ) كتاب الجنايات حديث 5976 . ( 7 ) المستدرك ، كتاب البيوع 2 / 48 . ( 8 ) سبق تخريجه .