الشنقيطي
484
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
للسؤال والتفتيش عليه . وهذا حكم لا يختص بحياته فقط ، ولا يخص الصحابة دون من بعدهم ، بل فرض علينا نحن امتثال أمره ، واجتناب نهيه ، وترك البحث والتفتيش عما سكت عنه . وليس ذلك الترك جهلا وتجهيلا لحكمه ، بل إثبات لحكم العفو وهي الإباحة العامة ، ورفع الحرج عن فاعله . فقد استوعب الحديث أقسام الدين كلها ، فإنها : إما واجب ، وإما حرام ، وإما مباح . والمكروه والمستحب فرعان على هذه الثلاثة غير خارجين عن المباح . وقد قال تعالى : فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ( 18 ) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ ( 19 ) [ القيامة : 18 - 19 ] فوكل بيانه إليه سبحانه لا إلى القياسيين والآرائيين . وقال تعالى : قُلْ أَ رَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ ( 59 ) [ يونس : 59 ] فقسم الحكم إلى قسمين : قسم أذن فيه وهو الحق ، وقسم افترى عليه وهو ما لم يأذن فيه . فأين إذا لنا أن نقيس البلوط على التمر في جريان الربا فيه ، وأن نقيس القزدير على الذهب والفضة ، والخردل على البر : فإن كان اللّه ورسوله وصانا بهذا فسمعا وطاعة للّه ورسوله ، وإلا فإنا قائلون لمنازعينا أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا [ الأنعام : 144 ] فما لم تأتونا به وصية من عند اللّه على لسان رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم فهو عين الباطل ، وقد أمرنا اللّه برد ما تنازعنا فيه إليه وإلى رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ، فلم يبح لنا قط أن نرد ذلك إلى رأي ولا قياس ، ولا تقليد إمام ولا منام ، ولا كشوف ولا إلهام ، ولا حديث قلب ولا استحسان ، ولا معقول ولا شريعة الديوان ، ولا سياسة الملوك ، ولا عوائد الناس التي ليس على شرائع المرسلين أضر منها . فكل هذه طواغيت ! من تحاكم إليها أو دعا منازعه إلى التحاكم إليها فقد حاكم إلى الظاغوت ! وقال تعالى : فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( 74 ) [ النحل : 74 ] . قالوا : ومن تأمل هذه الآية حق التأمل - تبين له أنها نص على إبطال القياس وتحريمه ، لأن القياس كله ضرب الأمثال للدين وتمثيل ما لا نص فيه بما فيه نص . ومن مثل ما لم ينص اللّه سبحانه على تحريمه أو إيجابه بما حرمه أو أوجبه فقد ضرب للّه الأمثال ، ولو علم سبحانه أن الذي سكت عنه مثل الذي نص عليه لأعلمنا بذلك ، ولما أغفله سبحانه ، وما كان ربك نسيا وليبين لنا ما نتقي كما أخبر عن نفسه بذلك إذ يقول سبحانه : وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ [ التوبة : 115 ] . ولما وكله إلى آرائنا ومقاييسنا التي ينقض بعضها بعضا ، فهذا يقيس ما يذهب إليه على ما يزعم أنه نظيره ، فيجىء منازعه فيقيس ضد قياسه من كل وجه ، ويبدي من الوصف الجامع مثل ما أبداه منازعه أو أظهر منه ، ومحال أن يكون القياسان معا من عند اللّه ، وليس