الشنقيطي
485
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
أحدهما أولى من الآخر فليسا من عنده ، وهذا وحده كاف في إبطال القياس ، وقد قال تعالى : وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ [ إبراهيم : 4 ] ، وقال : لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [ النحل : 44 ] . فكل ما بينه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فعن ربه سبحانه ، بينه بأمره وإذنه . وقد علمنا يقينا وقوع اسم في اللغة على مسماه فيها ، وأن اسم البر لا يتناول الخردل ، واسم التمر لا يتناول البلوط ، واسم الذهب والفضة لا يتناول القزدير ، وأن تقدير نصاب السرقة لا يدخل فيه تقدير المهر ، وأن تحريم أكل الميتة لا يدل على أن المؤمن الطيب عند اللّه حيا وميتا إذا مات صار نجسا خبيثا . وأن هذا عن اللسان الذي ولاه اللّه رسوله وبعثه به أبعد شيء وأشده منافاة له ؛ فليس هو مما بعث به الرسول قطعا ، فليس إذا من الدين . وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما بعث اللّه من نبيّ إلا كان حقا عليه أن يدلّ أمّته على خير ما يعلمه لهم وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم » « 1 » ولو كان الرأي والقياس خيرا لهم لدلهم عليه ، وأرشدهم إليه ولقال لهم إذا أوجبت عليكم شيئا أو حرمته فقيسوا عليه ما كان بينه وصف جامع ، أو ما أشبهه . أو قال ما يدل على ذلك أو يستلزمه ، ولما حذرهم من ذلك أشد الحذر . وقد أحكم اللسان كل اسم على مسماه لا على غيره . وإنما بعث اللّه سبحانه محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم بالعربية التي يفهمها العرب من لسانها ، فإذا نص سبحانه في كتابه أو نص رسوله على اسم من الأسماء ، وعلق عليه حكما من الأحكام - وجب ألا يوقع ذلك الحكم إلا على ما اقتضاه ذلك الاسم ، ولا يتعدى به الوضع الذي وضعه اللّه ورسوله فيه ، ولا يخرج عن ذلك الحكم شيء ، مما يقتضيه الاسم ، فالزيادة عليه زيادة في الدين ، والنقص منه نقص في الدين . فالأول القياس ، والثاني التخصيص الباطل ، وكلاهما ليس من الدين . ومن لم يقف مع النصوص فإنه تارة يزيد في النص ما ليس منه ، ويقول هذا قياس . ومرة ينقص منه بعض ما يقتضيه ويخرجه عن حكمه ويقول هذا تخصيص . ومرة يترك النص جملة ويقول ليس العمل عليه . أو يقول هذا خلاف القياس ، أو خلاف الأصول . قالوا : ولو كان القياس من الدين لكان أهله أتبع الناس للأحاديث ، وكان كلما توغل فيه الرجل كان أشد اتباعا للأحاديث والآثار . قالوا : ونحن نرى أن كلما اشتد توغل الرجل فيه اشتدت مخالفته للسنن ولا ترى خلاف السنن والآثار إلا عند أصحاب الرأي والقياس . فلله كم من سنة صحيح صريحة قد عطلت به ، وكم من أثر درس حكمه بسببه فالسنن والآثار عند الآرائيين والقياسيين خلوية على عروشها ، معطلة أحكامها ، معزولة عن سلطانها وولايتها ، لها الاسم ولغيرها الحكم ، لها السكة والخطبة ولغيرها الأمر والنهي . وإلا فلماذا ترك حديث العرايا ، وحديث قسم الابتداء ، وأن للزوجة حق العقد سبع ليال إن كانت بكرا ،
--> ( 1 ) أخرجه عن عبد اللّه بن عمرو : النسائي في البيعة ، باب ذكر ما على من بايع الإمام وأعطاه صفقة يد ، وثمرة قلبه ، وابن ماجة في الفتن حديث 3956 ، وأحمد في المسند 2 / 161 ، 191 .