الشنقيطي
469
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
ومن هذا تأويل اللبن بالفطرة لما في كل منهما من التغذية الموجبة للحياة وكمال النشأة ، وأن الطفل إذا خلى وفطرته لم يعدل عن اللبن ؛ فهو مفطور على إيثاره على ما سواه ، وكذلك فطرة الإسلام التي فطر اللّه عليها الناس . ومن هذا تأويل البقر بأهل الدين والخير الذين بهم عمارة الأرض ، كما أن البقر كذلك ، مع عدم شرها وكثرة خيرها ، وحاجة الأرض وأهلها إليها ؛ ولهذا لما رأى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بقرا تنحر كان ذلك نحرا في أصحابه « 1 » . ومن ذلك تأويل الزرع والحرث بالعمل ؛ لأن العامل زارع للخير والشر ، ولا بد أن يخرج له ما بذره كما يخرج للباذر زرع ما بذره ، فالدنيا مزرعة ، والأعمال البذر ، ويوم القيامة يوم طلوع الزرع وحصاده . ومن ذلك تأويل الخشب المقطوع المتساند بالمنافقين ، والجامع بينهما أن المنافق لا روح فيه ولا ظل ولا ثمر ، فهو بمنزلة الخشب الذي هو كذلك ؛ ولهذا شبه تعالى المنافقين بالخشب المسندة ؛ لأنهم أجسام خالية عن الإيمان والخير . وفي كونها مسندة نكتة أخرى : وهي أن الخشب إذا انتفع به جعل في سقف أو جدار أو غيرهما من مظان الانتفاع ، وما دام متروكا فارغا غير منتفع به جعل مسندا بعضه إلى بعض ؛ فشبه المنافقين بالخشب في الحالة التي لا ينتفع فيها بها إلى آخر كلامه رحمه اللّه . وقد ذكر أشياء كثيرة من عبارة الرؤيا فأجاد وأفاد رحمه اللّه ، وكلها راجعة إلى اعتبار النظير بنظيره ، وذلك كله يدل دلالة واضحة على أن نظير الحق حق ، ونظير الباطل باطل . ثم قال ابن القيم رحمه اللّه : فهذا شرع اللّه وقدره ووحيه ، وثوابه وعقابه ، كله قائم بهذا الأصل وهو إلحاق النظير بالنظير ، واعتبار المثل بالمثل : ولهذا يذكر الشارع العلل والأوصاف المؤثرة . والمعاني المعتبرة في الأحكام القدرية والشرعية والجزائية ؛ ليدل بذلك على تعلق الحكم بها أين وجدت ، واقتضائها لأحكامها ، وعدم تخلفها عنها إلا لمانع يعارض اقتضاءها ويوجب تخلف آثارها عنها ، كقوله تعالى : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ [ الحشر : 4 ] ، ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ [ غافر : 12 ] ، ذلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُواً [ الجاثية : 35 ] ، ذلِكُمْ بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ ( 75 ) [ غافر : 75 ] ، ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ ( 28 ) [ محمد : 28 ] ، ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ [ محمد : 26 ] ، وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ [ فصلت : 23 ] .
--> ( 1 ) أخرجه عن جابر بن عبد اللّه : الدارمي في الرؤيا 2 / 129 ، 130 ، وأحمد في المسند 3 / 351 .