الشنقيطي
456
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
النهي عن التضحية بالعوراء كونها ناقصة ذاتا وثمنا وقيمة ، وهذا هو الظاهر . وعليه فالعمياء أنقص منها ذاتا وقيمة . وهناك احتمال آخر : هو الذي منع من القطع بنفي الفارق ، وهو احتمال أن تكون علة النهي عن التضحية بالعوراء : أن العور مظنة الهزال ؛ لأن العوراء ناقصة البصر ، وناقصة البصر تكون ناقصه الرعي لأنها لا ترى إلا ما يقابل عينا واحدة ، ونقص الرعي مظنة للهزال . وعلى هذا الوجه فالعمياء ليست كالعوراء ؛ لأن العمياء يختار لها أحسن العلف ؛ فيكون ذلك مظنة لسمنها . ( والثالث منها ) - أن يكون المسكوت عنه مساويا للمنطوق به في الحكم مع القطع بنفي الفارق ؛ كقوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً [ النساء : 10 ] الآية . فإحراق أموال اليتامى وإغراقها المسكوت عنه مساو للأكل المنطوق به في الحكم الذي هو التحريم والوعيد بعذاب النار مع القطع بنفي الفارق . ( والرابع منها ) - أن يكون المسكوت عنه مساويا المنطوق به في الحكم أيضا : إلا أن نفي الفارق بينهما مظنون ظنا قويا مزاحما لليقين ، ومثاله الحديث الصحيح « من أعتق شركا له في عبد . . » « 1 » الحديث المتقدم في « الإسراء والكهف » فإن المسكوت عنه وهو عتق بعض الأمة مساو للمنطوق به وهو عتق بعض العبد في الحكم الذي هو سراية العتق المبينة في الحديث المتقدم مرارا . إلا أن نفي الفارق بينهما مظنون ظنا قويا ، لأن الذكورة والأنوثة بالنسبة إلى العتق وصفان طرديان لا يناط بهما حكم من أحكام العتق ؛ كما قدمناه مستوفى في سورة « مريم » وهناك احتمال آخر هو الذي منع من القطع بنفي الفارق ، وهو احتمال أن يكون الشارع نص على سراية العتق في خصوص العبد الذكر ، مخصصا له بذلك الحكم دون الأنثى ؛ لأن عتق الذكر يترتب عليه من الآثار الشرعية ما لا يترتب على عتق الأنثى ، كالجهاد والإمامة والقضاء . ونحو ذلك من المناصب المختصة بالذكور دون الإناث . وقد أكثرنا من أمثلة هذا النوع الذي هو الإلحاق بنفي الفارق في سورة « بني إسرائيل » . ( وأما النوع الثاني من أنواع الإلحاق ) - فهو القياس المعروف في الأصول ، وهو المعروف بقياس التمثيل . وسنعرفه هنا لغة واصطلاحا ، ونذكر أقسامه ، وما ذكره بعض أهل العلم من أمثلته في القرآن : اعلم أن القياس في اللغة : التقدير والتسوية ؛ يقال : قاس الثوب بالذراع ، وقاس الجرح بالميل ( بالكسر ) وهو المرود : إذا قدر عمقه به : ولهذا سمي الميل مقياسا ، ومن هذا المعنى قول البعيث بن بشر يصف جراحة أو شجة : إذا قاسها الآسي النطاسي أدبرت * غثيثتها وازداد وهيا هزومها
--> ( 1 ) سبق تخريجه .