الشنقيطي

452

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

امرأة حسناء في زمان بني إسرائيل راودها عن نفسها أربعة من رؤسائهم ، فامتنعت على كل منهم ، فاتفقوا فيما بينهم عليها ؛ فشهدوا عند داود عليه السلام أنها مكنت من نفسها كلبا لها ، قد عودته ذلك منها ، فأمر برجمها فلما كان عشية ذلك اليوم جلس سليمان ، واجتمع معه ولدان مثله ؛ فانتصب حاكما وتزيا أربعة منهم بزي أولئك ، وآخر بزي المرأة ، وشهدوا عليها بأنها مكنت من نفسها كلبا ، فقال سليمان : فرقوا بينهم . فسأل أولهم : ما كان لون الكلب ؟ فقال أسود ، فعزله . واستدعى الآخر فسأله عن لونه ؟ فقال أحمر . وقال الآخر أغبش . وقال الآخر أبيض ، فأمر عند ذلك بقتلهم ، فحكى ذلك لداود عليه السلام ، فاستدعى من فوره بأولئك الأربعة فسألهم متفرقين عن لون ذلك الكلب فاختلفوا عليه ، فأمر بقتلهم - انتهى بواسطة نقل ابن كثير في تفسير هذه الآية الكريمة . وكل هذا مما يدل على صحة ما فسرنا به الآية ، لدلالة القرينة القرآنية عليه . وممن يسرها بذلك الحسن البصري رحمه اللّه كما ذكره البخاري وغيره عنه . قال البخاري رحمه اللّه في صحيحه ( باب متى يستوجب الرجل القضاء ) : وقال الحسن : أخذ اللّه على الحكام أن لا يتبعوا الهوى ولا يخشوا الناس ، ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا - إلى أن قال - وقرأ وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ ( 78 ) فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً [ الأنبياء : 78 - 79 ] فحمد سليمان ولم يلم داود . ولولا ما ذكره اللّه من أمر هذين لرأيت أن القضاة ملكوا ، فإنه أثنى على هذا بعلمه ، وعذر هذا باجتهاده - انتهى محل الغرض منه . وبه تعلم أن الحسن رحمه اللّه يرى أن معنى الآية الكريمة كما ذكرنا ، ويزيد هذا إيضاحا ما قدمناه في سورة « بني إسرائيل » من الحديث المتفق عليه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من حديث عمرو بن العاص وأبي هريرة رضي اللّه عنهما « إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران ، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر » كما قدمنا إيضاحه . المسألة الثانية اعلم أن الاجتهاد في الأحكام في الشرع دلت عليه أدلة من الكتاب والسنة ؟ منها هذا الذي ذكرنا هنا . وقد قدمنا في سورة بني « إسرائيل » طرفا من ذلك ، ووعدنا بذكره مستوفى في هذه السورة الكريمة ، وسورة « الحشر » ، وهذا أوان الوفاء بذلك الوعد في هذه السورة الكريمة . وقد علمت مما مر في سورة « بني إسرائيل » أنا ذكرنا طرفا من الأدلة على الاجتهاد فبينا إجماع العلماء على العمل بنوع الاجتهاد المعروف بالإلحاق بنفي الفارق الذي يسميه الشافعي القياس في معنى الأصل ، وهو تنقيح المناط . وأوضحنا أنه لا ينكره إلا مكابر ، وبينا الإجماع أيضا على العمل بنوع الاجتهاد المعروف بتحقيق المناط ، وأنه لا ينكره إلا مكابر ، وذكرنا أمثلة له في الكتاب والسنة ، وذكرنا أحاديث دالة على الاجتهاد ، منها الحديث المتفق عليه المتقدم ومنها حديث معاذ حين بعثه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلى اليمين ، وقد وعدنا