الشنقيطي

451

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

والقرينة الثانية - هي أن قوله تعالى : فَفَهَّمْناها الآية يدل على أنه فهمه إياها من نصوص ما كان عندهم من الشرع ؛ لا أنه أنزل عليه فيها وحيا جديدا ناسخا ؛ لأن قوله تعالى : فَفَهَّمْناها أليق بالأول من الثاني ، كما ترى . مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة المسألة الأولى - اعلم أن هذا الذي ذكرنا أن القرينة تدل عليه في هذه الآية من أنهما حكما فيها باجتهاد ، وأن سليمان أصاب في اجتهاده - جاءت السنة الصحيحة بوقوع مثله منهما في غير هذه المسألة ؛ فدل ذلك على إمكانه في هذه المسألة ، وقد دلت القرينة القرآنية على وقوعه ، قال البخاري في صحيحه ( باب إذا ادّعت المرأة ابنا ) حدثنا أبو اليمان ، أخبرنا شعيب ، حدثنا أبو الزّناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه : أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « كانت امرأتان معهما ابناهما ، جاء الّذئب فذهب بابن إحداهما ، فقالت لصاحبتها : إنما ذهب بابنك . فقالت الأخرى : إنّما ذهب بابنك . فتحاكمتا إلى داود عليه السّلام ، فقضى به للكبرى ، فخرجتا على سليمان بن داود عليهما السّلام ، فأخبرتاه فقال : ائتوني بالسّكين أشقّه بينهما . فقالت الصّغرى : لا تفعل يرحمك اللّه هو ابنها ؛ فقضى به للصّغرى . قال أبو هريرة : واللّه إن سمعت بالسّكين قطّ إلّا يومئذ ، وما كنّا نقول إلّا المدية » - انتهى من صحيح البخاري « 1 » . وقال مسلم بن الحجاج في صحيحه : حدثني زهير بن حرب ، حدثني شبابة » حدثني ورقاء عن أبي الزّناد ، عن الأعرج عن أبي هريرة ، عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « بينما امرأتان معهما ابناهما جاء الذّئب فذهب بابن إحداهما . فقالت هذه لصاحبتها : إنّما ذهب بابنك أنت . وقالت الأخرى : إنّما ذهب بابنك ، فتحاكمتا إلى داود فقضى به للكبرى . فخرجتا على سليمان بن داود عليهما السّلام ؛ فأخبرتاه فقال : ائتوني بالسّكين أشقّه بينكما . فقالت الصّغرى : لا يرحمك اللّه » « 2 » - انتهى منه فهذا الحديث الصحيح يدل دلالة واضحة على أنهما قضيا معا بالاجتهاد في شأن الولد المذكور ، وأن سليمان أصاب في ذلك ، إذ لو كان قضاء داود بوحي لما جاز نقضه بحال . وقضاء سليمان واضح أنه ليس بوحي ، لأنه أوهم المرأتين أنه يشقه بالسكين ، ليعرف أمه بالشفقة عليه ، ويعرف الكاذبة برضاها بشقه لتشاركها أمه في المصيبة لعرف الحق بذلك . وهذا شبيه جدا بما دلت عليه الآية حسبما ذكرنا ، وبينا دلالة القرينة القرآنية عليه . ومما يشبه ذلك من قضائهما القصة التي أوردها الحافظ أبو القاسم ابن عساكر في ترجمة « سليمان » عليه السلام من تاريخه ، من طريق الحسن بن سفيان ، عن صفوان بن صالح ، عن الوليد بن مسلم ، وعن سعيد بن بشر ، عن قتادة عن مجاهد عن ابن عباس فذكر قصة مطولة ، ملخصها : أن

--> ( 1 ) كتاب الفرائض حديث 6769 . ( 2 ) أخرجه مسلم في الأقضية حديث 20 .