الشنقيطي

450

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

والمراد بالكرب العظيم في الآية : الغرق بالطوفان الذي تتلاطم أمواجه كأنها الجبال العظام ، كما قال تعالى : وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ [ هود : 42 ] ، وقال تعالى : فَأَنْجَيْناهُ وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ [ العنكبوت : 15 ] الآية ، إلى غير ذلك من الآيات . والكرب : هو أقصى الغم ، والأخذ بالنفس . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ [ الأنبياء : 76 ] يعني إلا من سبق عليه القول من أهله بالهلاك مع الكفرة الهالكين ، كما قال تعالى : قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ [ هود : 40 ] الآية . ومن سبق عليه القول منهم : ابنه المذكور في قوله : وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ ( 43 ) [ هود : 43 ] وامرأته المذكورة في قوله ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ - إلى قوله - ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ ( 10 ) [ التحريم : 10 ] . قوله تعالى : وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ ( 78 ) فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً [ 78 - 79 ] . قوله تعالى : وَداوُدَ منصوب ب « اذكر » مقدرا . وقيل : معطوف قوله : وَنُوحاً إِذْ نادى مِنْ قَبْلُ [ الأنبياء : 76 ] أي واذكر نوحا إذا نادى من قبل وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ الآية ، وقوله : إِذْ بدل من « داود وسليمان » بدل اشتمال كما أوضحنا في سورة « مريم » وذكرنا بعض المناقشة فيه ، وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يقول بعض العلماء في الآية قولا ويكون في نفس الآية قرينة تدل على خلاف ذلك القول . وذكرنا في هذا الكتاب مسائل كثيرة من ذلك . فإذا علمت ذلك فاعلم أن جماعة من العلماء قالوا : إن حكم داود وسليمان في الحرث المذكور في هذه الآية كان بوحي : إلا أن ما أوحى إلى سليمان كان ناسخا لما أوحى إلى داود . وفي الآية قرينتان على أن حكمهما كان باجتهاد لا بوحي ، وأن سليمان أصاب فاستحق الثناء باجتهاده ، وإصابته ، وأن داود لم يصب فاستحق الثناء باجتهاده ، ولم يستوجب لوما ولا ذما بعدم إصابته ؛ كما أثنى على سليمان بالإصابة في قوله : فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ ، وأثنى عليهما في قوله : وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً فدل قوله وَكُلًّا آتَيْنا على أنهما حكما فيها معا ، كل منهما بحكم مخالف لحكم الآخر ، ولو كان وحيا لما ساغ الخلاف . ثم قال : فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ فدل ذلك على أنه لم يفهمها داود ، ولو كان حكمه فيها بوحي لكان مفهما إياها كما ترى . فقوله وَكُلًّا آتَيْنا مع قوله فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ قرينة على أن الحكم لم يكن بوحي بل باجتهاد ، وأصاب فيه سليمان دون داود بتفهيم اللّه إياه ذلك .