الشنقيطي

438

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ في قوله : قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 88 ) [ المؤمنون : 88 ] . والعرب تقول : أنا جار لك وصاحب من فلان ؛ أي مجير لك منه . ومنه قول الشاعر : ينادي بأعلى صوته متعوّذا * ليصحب منّا والرماح دواني يعنى ليجار ويغاث منا . وأغلب أقوال العلماء في الآية راجعة إلى ما ذكرنا ؛ كقول بعضهم يُصْحَبُونَ ( 43 ) يمنعون . وقول بعضهم ينصرون . وقول بعضهم وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ ( 43 ) أي لا يصحبهم اللّه بخير ، ولا يجعل الرحمة صاحبا لهم . والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ [ 44 ] . الظاهر أن الإضراب ؛ بَلْ في هذه الآية الكريمة انتقالى . والإشارة في قوله هؤُلاءِ راجعة إلى المخاطبين من قبل في قوله : قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ [ الأنبياء : 42 ] الآية ، وهم كفّار قريش ، ومن اتّخذ آلهة من دون اللّه . والمعنى : أنّه متّع هؤلاء الكفّار وآباءهم قبلهم بما رزقهم من نعيم الدنيا حتى طالت أعمارهم في رخاء ونعمة ، فحملهم ذلك على الطغيان واللّجاج في الكفر . وما تضمّنته هذه الآية الكريمة : من أنه تعالى يمهل الكفّار ويملي لهم في النعمة ، وأنّ ذلك يزيدهم كفرا وضلالا - جاء موضحا في مواضع كثيرة من كتاب اللّه تعالى ، كقوله : وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ ( 178 ) [ آل عمران : 178 ] ، وقوله تعالى : سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ( 182 ) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ( 183 ) [ الأعراف : 182 - 183 ] ، وقوله تعالى : قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكانُوا قَوْماً بُوراً ( 18 ) [ الفرقان : 18 ] ، وقوله تعالى : بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ ( 29 ) وَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ قالُوا هذا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كافِرُونَ ( 30 ) [ الزخرف : 29 - 30 ] والآيات بمثل ذلك كثيرة . والعمر يطلق على مدة العيش . قوله تعالى : أَ فَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَ فَهُمُ الْغالِبُونَ ( 44 ) [ 44 ] . في معنى إتيان اللّه الأرض ينقصها من أطرافها في هذه الآية الكريمة أقوال معروفة للعلماء : وبعضها تدلّ له قرينة قرآنية : قال بعض العلماء : نقصها من أطرافها : موت العلماء ، وجاء في ذلك حديث مرفوع عن أبي هريرة . وبعد هذا القول عن ظاهر القرآن بحسب دلالة السياق - ظاهر كما ترى .