الشنقيطي
439
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وقال بعض أهل العلم : نقصها من أطرافها خرابها عند موت أهلها . وقال بعض أهل العلم : نقصها من أطرافها هو نقص الأنفس والثمرات ، إلى غير ذلك من الأقوال ، وأما القول الذي دلّت عليه القرينة القرآنية : فهو أنّ معنى نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أي ننقص أرض الكفر ودار الحرب ، ونحذف أطرافها بتسليط المسلمين عليها وإظهارهم على أهلها ، وردها دار إسلام . والقرينة الدالة على هذا المعنى هي قوله بعده أَ فَهُمُ الْغالِبُونَ ( 44 ) . والاستفهام لإنكار غلبتهم . وقيل : لتقريرهم بأنهم مغلوبون لا غالبون ، فقوله : أَ فَهُمُ الْغالِبُونَ ( 44 ) دليل على أن نقص الأرض من أطرافها سبب لغلبة المسلمين للكفّار ، وذلك إنما يحصل بالمعنى المذكور . ومما يدل لهذا الوجه قوله تعالى : وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ [ الرعد : 31 ] على قول من قال : إن المراد بالقارعة التي تصيبهم ضرايا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم تفتح أطراف بلادهم ، أو تحلّ أنت يا نبي اللّه قريبا من دارهم . وممن يروي عنه هذا القول : ابن عباس وأبو سعيد وعكرمة ومجاهد وغيرهم . وهذا المعنى الذي ذكر اللّه هنا ذكره في آخر سورة « الرعد » أيضا في قوله : أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ ( 41 ) [ الرعد : 41 ] . وقال ابن كثير رحمه اللّه في تفسير آية « الأنبياء » هذه : إن أحسن ما فسّر به قوله تعالى : أَ فَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها - هو قوله تعالى : وَلَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى وَصَرَّفْنَا الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( 27 ) [ الأنبياء : 44 - 46 ] . قال مقيّده عفا اللّه عنه وغفر له : ما ذكره ابن كثير رحمه اللّه صواب ، واستقراء القرآن العظيم يدلّ عليه . وعليه فالمعنى : أفلا يرى كفّار مكّة ومن سار سيرهم في تكذيبك يا نبي اللّه ، والكفر بما جئت به أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أي بإهلاك الذين كذبوا الرسل كما أهلكنا قوم صالح وقوم لوط ، وهم يمرون بديارهم . وكما أهلكنا قوم هود ، وجعلنا سبأ أحاديث ومزقناهم كلّ ممزّق كل ذلك بسبب تكذيب الرسل ، والكفر بما جاءوا به . وهذا هو معنى قوله : وَلَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى [ الأحقاف : 27 ] كقوم صالح وقوم لوط وقوم هود وسبأ ، فاحذروا من تكذيب نبينا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ لئلّا ننزل بكم مثل ما أنزلنا بهم . وهذا الوجه لا ينافي قوله بعده أَ فَهُمُ الْغالِبُونَ ( 44 ) والمعنى : أن الغلبة لحزب اللّه القادر على كل شيء ، الذي أهلك ما حولكم من القرى بسبب تكذيبهم رسلهم ، وأنتم لستم بأقوى منهم ، ولا أكثر أموالا ولا أولادا ؛ كما قال تعالى : أَ هُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْناهُمْ [ الدخان : 37 ] الآية . وقال تعالى : أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 82 ) [ غافر : 82 ] ، وقال تعالى : أَ وَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها [ الروم : 9 ] الآية ، إلى