الشنقيطي
425
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وجعلها سبع سماوات ، كل اثنتين منها بينهما فصل ، والأرضون كذلك كانت رتقا ففتقها ، وجعلها سبعا بعضها منفصل عن بعض . القول الثالث - أنّ معنى رَتْقاً فَفَتَقْناهُما أن السماء كانت لا ينزل منها مطر ، والأرض كانت لا ينبت فيها نبات ، ففتق اللّه السماء بالمطر ، والأرض بالنبات . القول الرابع - رَتْقاً فَفَتَقْناهُما أي في ظلمة لا يرى من شدّتها شيء ففتقهما اللّه بالنور . وهذا القول في الحقيقة يرجع إلى القول الأول ، والثاني . القول الخامس - وهو أبعدها لظهور سقوطه ؛ أنّ الرتق يراد به العدم . والفتق يراد به الإيجاد ؛ أي كانتا عدما فأوجدناهما . وهذا القول كما ترى . فإذا عرفت أقوال أهل العلم في هذه الآية ، فاعلم أن القول الثالث منها وهو كونهما كانتا رتقا بمعنى أن السماء لا ينزل منها مطر ، والأرض لا تنبت شيئا ففتق اللّه السماء بالمطر والأرض بالنبات - قد دلّت عليه قرائن من كتاب اللّه تعالى . الأولى - أنّ قوله تعالى : أَ وَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ يدلّ على أنهم رأوا ذلك ؛ لأن الأظهر في رأى أنّها بصرية ، والذي يرونه بأبصارهم هو أنّ السماء تكون لا ينزل منها مطر ، والأرض ميتة هامدة لا نبات فيها ؛ فيشاهدون بأبصارهم إنزال اللّه المطر ، وإنباته به أنواع النبات . القرينة الثانية - أنّه أتبع ذلك بقوله : وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَ فَلا يُؤْمِنُونَ [ الأنبياء : 30 ] . والظاهر اتّصال هذا الكلام بما قبله ؛ أي وجعلنا من الماء الذي أنزلناه بفتقنا السماء ، وأنبتنا به أنواع النبات بفتقنا الأرض كلّ شيء حي . القرينة الثالثة - أنّ هذا المعنى جاء موضحا في آيات أخر من كتاب اللّه كقوله تعالى : وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ ( 11 ) وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ ( 12 ) [ الطارق : 11 - 12 ] لأن المراد بالرّجع نزول المطر منها تارة بعد أخرى ، والمراد بالصّدع : انشقاق الأرض عن النبات . وكقوله تعالى : فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ ( 24 ) أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا ( 25 ) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا ( 26 ) [ عبس : 24 - 26 ] الآية . واختار هذا القول ابن جرير وابن عطية وغيرهما للقرائن التي ذكرنا . ويؤيد ذلك كثرة ورود الاستدلال بإنزال المطر ، وإنبات النبات في القرآن العظيم على كمال قدرة اللّه تعالى ، وعظم منّته على خلقه ، وقدرته على البعث . والذين قالوا : إن المراد بالرتق والفتق أنهما كانتا متلاصقتين ففتقهما اللّه وفصل بعضهما عن بعض قالوا في قوله أَ وَلَمْ يَرَ أنّها من رأي العلمية لا البصرية ، وقالوا : وجه تقريرهم بذلك أنه جاء في القرآن ، وما جاء في القرآن فهو أمر قطعي لا سبيل للشك فيه . والعلم عند اللّه تعالى . وأقرب الأقوال في ذلك - هو ما ذكرنا دلالة القرآئن القرآنية عليه ، وقد قال فيه الفخر