الشنقيطي

426

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

الرازي في تفسيره : ورجّحوا هذا الوجه على سائر الوجوه بقوله بعد ذلك : وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَ فَلا [ الأنبياء : 30 ] وذلك لا يليق إلّا وللماء تعلّق بما تقدّم ، ولا يكون كذلك إلّا إذا كان المراد ما ذكرنا . فإن قيل : هذا الوجه مرجوح ؛ لأن المطر لا ينزل من السماوات بل من سماء واحدة وهي سماء الدنيا . قلنا : إنما أطلق عليه لفظ الجمع لأنّ كل قطعة منها سماء ؛ كما يقال ثوب أخلاق ، وبرمة أعشار ا ه منه . قوله تعالى : وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَ فَلا يُؤْمِنُونَ ( 30 ) [ 30 ] . الظاهر أنّ « جعل » هنا بمعنى خلق ؛ لأنها متعدية لمفعول واحد . ويدل لذلك قوله تعالى في سورة « النور » : وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ [ النور : 45 ] . واختلف العلماء في معنى خلق كلّ شيء من الماء . قال بعض العلماء : الماء الذي خلق منه كل شيء هو النطفة ؛ لأن اللّه خلق جميع الحيوانات التي تولد عن طريق التناسل من النطف ، وعلى هذا فهو من العام المخصوص . وقال بعض العلماء : هو الماء المعروف ، لأن الحيوانات إما مخلوقة منه مباشرة كبعض الحيوانات التي تتخلّق من الماء . وإما غير مباشرة لأن النطف من الأغذية ، والأغذية كلّها ناشئة عن الماء ، وذلك في الحبوب والثمار ونحوها ظاهر ، وكذلك هو في اللحوم والألبان والأسمان ونحوها : لأنّه كلّه ناشىء بسبب الماء . وقال بعض أهل العلم : معنى خلقه كلّ حيوان من ماء : أنه كأنما خلقه من الماء لفرط احتياجه إليه ، وقلة صبره عنه ؛ كقوله : خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ [ الأنبياء : 37 ] إلى غير ذلك من الأقوال . وقد قدّمنا المعاني الأربعة الّتي تأتي لها لفظة « جعل » وما جاء منها في القرآن وما لم يجئ فيه في سورة « النحل » . وقال الفخر الرازي في تفسير هذه الآية الكريمة ما نصّه : لقائل أن يقول : كيف قال وخلقنا من الماء كل حيوان ؟ وقد قال وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ ( 27 ) [ الحجر : 27 ] وجاء في الأخبار : أن اللّه تعالى خلق الملائكة من النور ، وقال تعالى في حق عيسى عليه السلام : وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي [ النصر : 27 ] ، وقال في حقّ آدم خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ [ آل عمران : 59 ] . والجواب : اللفظ وإن كان عامّا إلا أنّ القرينة المخصصة قائمة ، فإن الدليل لا بد وأن يكون مشاهدا محسوسا ليكون أقرب إلى المقصود . وبهذا الطريق تخرج عنه الملائكة والجنّ وآدم وقصة عيسى وعليهم السلام ، لأن الكفار لم يروا شيئا من ذلك ا ه منه .