الشنقيطي

409

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

« خذ عليك سلاحك ، فإنّني أخشى عليك قريظة » فأخذ الرجل سلاحه ثمّ رجع ، فإذا امرأته بين البابين قائمة ، فأهوى إليها بالرمح ليطعنها به وأصابته غيرة ؛ فقالت له : اكفف عليك رمحك ، وادخل البيت حتى تنظر ما الّذي أخرجني ، فدخل فإذا بحيّة عظيمة منطوية على الفراش ، فأهوى إليها بالرمح فانتظمها به ، ثم خرج فركزه في الدار فاضطربت عليه ، فما يدري أيّهما كان أسرع موتا الحية أم الفتى . قال : فجئنا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فذكرنا ذلك له ، وقلنا : أدع اللّه يحيه لنا : فقال : « استغفروا لأخيكم - ثمّ قال - إن بالمدينة جنّا قد أسلموا ، فإذا رأيتم منهم شيئا فأذنوه ثلاثة أيام فإن بدا لكم بعد ذلك فأقتلوه فإنما هو شيطان » . وفي طريق أخرى فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّ لهذه البيوت عوامر ، فإذا رأيتم شيئا منهم فحرّجوا عليها ثلاثا ، فإن ذهب وإلّا فاقتلوه فإنه كافر - وقال لهم : - اذهبوا فادفنوا صاحبكم » . ثم قال : قال علماؤنا رحمة اللّه عليهم : لا يفهم من هذا الحديث أن هذا الجان الّذي قتله الفتى كان مسلما ، وأنّ الجن قتلته به قصاصا ؛ لأنّه لو سلم أن القصاص مشروع بيننا وبين الجنّ لكان إنما يكون في العمد المحض ، وهذا الفتى لم يقصد ولم يتعمد قتل نفس مسلمة إذ لم يكن عنده علم من ذلك ، وإنما قصد إلى قتل ما سوّغ قتل نوعه شرعا ، فهذا قتل خطأ ولا قصاص فيه . فالأولى أن يقال : إنّ كفار الجنّ أو فسقتهم قتلوا الفتى بصاحبهم عدوا وانتقاما . وقد قتلت سعد بن عبادة رضي اللّه عنه ، وذلك أنه وجد ميتا في مغتسله وقد أخضرّ جسده ، ولم يشعروا بموته حتى سمعوا قائلا يقول ولا يرون أحدا : قد قتلنا سيّد الخز * رج سعد بن عباده ورميناه بسهمين * فلم تخط فؤاده وإنّما قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن بالمدينة جنّا قد أسلموا » ليبيّن طريقا يحصل به التحرز من قتل المسلم منهم ، ويتسلط به على قتل الكافر منهم . وروي من وجوه : أنّ عائشة زوج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قتلت جانّا ؛ فأريت في المنام أنّ قائلا يقول لها : لقد قتلت مسلما . فقالت : لو كان مسلما لم يدخل على أزواج النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم . قال : ما دخل عليك إلا وعليك ثيابك ؛ فأصبحت فأمرت باثني عشر ألف درهم فجعلت في سبيل اللّه . وفي رواية : ما دخل عليك إلّا وأنت مستترة ؛ فتصدّقت وأعتقت رقابا . وقال الربيع بن بدر : الجان من الحيات الّتي نهى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن قتلها - هي الّتي تمشي ولا تلتوي . وعن علقمة نحوه . ثم ذكر صفة إنذار حيات البيوت فقال : قال مالك : أحبّ إلي أن ينذروا ثلاثة أيام . وقاله عيسى بن دينار : وإن ظهر في اليوم مرارا ، ولا يتقصر على إنذاره ثلاث مرات في يوم واحد حتى يكون في ثلاثة أيام . وقيل : يكفي ثلاث مرار ؛ لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « فليؤذنه ثلاثا » ، وقوله « حرجوا عليه ثلاثا » ولأن ثلاثا للعدد المؤنث ، فظهر أن المراد ثلاث مرات . وقول مالك أولى لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم « ثلاثة أيام » وهو نص صحيح مقيد لتلك المطلقات ، ويحمل ثلاثا على إرادة ليالي الأيام الثلاث ، فغلب الليلة على عادة العرب في باب التاريخ ، فإنها تغلب فيها التأنيث . قال مالك : ويكفي في