الشنقيطي
410
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الإنذار أن يقول : أحرج عليك باللّه واليوم الآخر ألّا تبدو لنا ولا تؤذونا . وذكر ثابت البناني ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنّه ذكر عنده حيّات البيوت فقال : إذا رأيتم منها شيئا في مساكنكم فقولوا : أنشدكم بالعهد الذي أخذ عليكم نوح عليه السلام ، وأنشدكم بالعهد الذي أخذ عليكم سليمان عليه السلام ، فإذا رأيتم منهنّ شيئا بعد فاقتلوه . ثم قال : وقد حكى ابن حبيب عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه يقال : « أنشدكنّ بالعهد الذي أخذ عليكن سليمان عليه السلام ألا تؤذونا ولا تظهرن علينا » انتهى كلام القرطبي ملخصا قريبا من لفظه . قال مقيده عفا اللّه عنه وغفر له : التحقيق في هذه المسألة - أن ما لم يكن من الحيات في البيوت فإنه يقتل كالحيات التي توجد في الفيافي ، وأن حيات البيوت لا تقتل إلا بعد الإنذار . وأظهر القولين عندي عموم الإنذار في المدينة وغيرها ، وأنه لا بد من الإنذار ثلاثة أيام ، ولا تكفي ثلاث مرات في يوم أو يومين ، كما تقدّمت أدلة ذلك في كلام القرطبي . وأن الأبتر وذا الطفيتين يقتلان في البيوت بلا إنذار ؛ لما ثبت في بعض روايات مسلم بلفظ : فقال أبو لبابة : إنه قد نهي عنهنّ ( يريد عوامر البيوت ) وأمر بقتل الأبتر وذي الطّفيتين . وفي رواية في صحيح البخاري عن أبي لبابة : « لا تقتلوا الجنّان إلّا كلّ أبتر ذي طفيتين ، فإنّه يسقط الولد ، ويذهب البصر فاقتلوه » . والدليل على قتل الحيات وإنذار حيات البيوت ثابت في الصحيحين وغيرهما . قال البخاري في صحيحه : حدثنا عبد اللّه بن محمّد ، حدثنا هشام بن يوسف حدثنا معمر عن الزهري ، عن سالم عن ابن عمر رضي اللّه عنهما : أنّه سمع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يخطب على المنبر يقول : « اقتلوا الحيّات واقتلوا ذا الطّفيتين والأبتر ؛ فإنّها يطمسان البصر ، ويستسقطان الحبلى » قال عبد اللّه : فبينا أنا أطارد حيّة لأقتلها فناداني أبو لبابة : لا تقتلها . فقلت إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قد أمر بقتل الحيّات ؟ فقال : إنّه نهى بعد ذلك عن ذوات البيوت ، وهي العوامر . وقال عبد الرزاق عن معمر : فرآني أبو لبابة أو زيد بن الخطاب ، وتابعه يونس وابن عيينة وإسحاق الكلبيّ والزّبيدي ، وقال صالح وابن أبي حفصة وابن مجمع عن الزهري عن سالم عن ابن عمر : فرآني أبو لبابة وزيد بن الخطاب - ا ه من صحيح البخاري رحمه اللّه تعالى . وقال مسلم بن الحجاج رحمه اللّه في صحيحه : وحدثني عمرو بن محمد الناقد ، حدثنا سفيان بن أبي عيينة عن الزهري عن سالم عن أبيه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « اقتلوا الحيّات وذا الطّفيتين والأبتر ، فإنهما يستسقطان الحبل ويلتمسان البصر » قال : فكان ابن عمر - يقتل كلّ حية وجدها ؛ فأبصره أبو لبابة بن عبد المنذر ، أو زيد بن الخطاب وهو يطارد حيّة فقال : إنه قد نهى عن ذوات البيوت . ثم ذكره من طرق متعددة . وفي كلها التصريح بالنهي عن قتل جنّان البيوت - يعني إلّا بعد الإنذار ثلاثا . وعن مالك رحمه اللّه : يقتل ما وجد منها بالمساجد . وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم في هذا الحديث « وذا الطّفيتين » هو بضمّ الطاء المهملة وإسكان الفاء