الشنقيطي

406

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

فعلا . وقال أبو حيّان في البحر في سورة « البقرة » وفي المنتخب للإمام أبي عبد اللّه محمّد بن أبي الفضل المرسي ما ملخّصه : منعت الأمّة وقوع الكفر من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، إلا الفضيليّة من الخوارج قالوا : وقد وقع منهم ذنوب والذنب عندهم كفر . وأجاز الإماميّة إظهار الكفر منهم على سبيل التقية . واجتمعت الأمّة على عصمتهم من الكذب والتحريف فيما يتعلق بالتبليغ ، فلا يجوز عمدا ولا سهوا . ومن الناس من جوّز ذلك سهوا . وأجمعوا على امتناع خطئهم في الفتيا عمدا . واختلفوا في السهو . وأمّا أفعالهم فقالت الحشوية : يجوز وقوع الكبائر منهم على جهة العمد . وقال أكثر المعتزلة : بجواز الصغائر عمدا إلّا في القول كالكذب . وقال الجبائي : يمتنعان عليهم إلّا على جهة التأويل . وقيل : يمتنعان عليهم إلّا على جهة السهو والخطأ ، وهم مأخوذون بذلك وإن كان موضوعا عن أمّتهم . وقالت الرافضة يمتنع ذلك على كل جهة . واختلف في وقت العصمة ؛ فقالت الرافضة : من وقت مولدهم . وقال كثير من المعتزلة : من وقت النبوّة . والمختار عندنا أنّه لم يصدر عنهم ذنب حالة النبوة البتّة لا الكبيرة ولا الصغيرة ؛ لأنهم لو صدر عنهم الذنب لكانوا أقل درجة من عصاة الأمّة لعظيم شرفهم وذلك محال ، ولئلّا يكونوا غير مقبولي الشهادة ، ولئلّا يجب زجرهم وإيذاؤهم ، ولئلّا يقتدى بهم في ذلك . ولئلّا يكونوا مستحقّين للعقاب ، ولئلّا يفعلوا ضدّ ما أمروا به لأنّهم مصطفون ، ولأنّ إبليس استثناهم في الإغواء - انتهى ما لخّصناه من ( المنتخب ) ، والقول في الدلائل لهذه المذاهب . وفي إبطال ما ينبغي إبطاله منها مذكور في كتب أصول الدين . انتهى كلام أبي حيّان . وحاصل كلام الأصوليّين في هذه المسألة : عصمتهم من الكفر وفي كلّ ما يتعلّق بالتبليغ ، ومن الكبائر وصغائر الخسّة كسرقة لقمة وتطفيف حبّة ، وأنّ أكثر أهل الأصول على جواز وقوع الصغائر غير الصغائر الخسّة منهم . ولكن جماعة كثيرة من متأخّري الأصوليّين اختاروا أنّ ذلك وإن جاز عقلا لم يقع فعلا ، وقالوا : إنّما جاء في الكتاب والسنّة من ذلك أنّ ما فعلوه بتأويل أو نسيانا أو سهوا ، أو نحو ذلك . قال مقيّده عفا اللّه وغفر له : الّذي يظهر لنا أنّه الصواب في هذه المسألة - أنّ الأنبياء صلوات اللّه وسلامه عليهم لم يقع منهم ما يزري بمراتبهم العلّية ، ومناصبهم السامية . ولا يستوجب خطأ منهم ولا نقصا فيهم صلوات اللّه وسلامه عليهم ، ولو فرضنا أنّه وقع منهم بعض الذنوب لأنّهم يتداركون ما وقع منهم بالتوبة ، والإخلاص ، وصدق الإنابة إلى اللّه حتّى ينالوا بذلك أعلى درجاتهم فتكون بذلك درجاتهم أعلى من درجة من لم يرتكب شيئا من ذلك . وممّا يوضح هذا قوله تعالى : وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى ( 121 ) ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى ( 122 ) [ طه : 121 - 122 ] . فانظر أيّ أثر يبقى للعصيان والغيّ بعد توبة اللّه عليه ،