الشنقيطي
407
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
واجتبائه أي اصطفائه إيّاه ، وهدايته له ، ولا شكّ أنّ بعض الزلّات ينال صاحبها بالتوبة منها درجة أعلى من درجته قبل ارتكاب ذلك الزلّة . والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى ( 122 ) [ 122 ] . الاجتباء : الاصطفاء والاختيار ؛ أي ثمّ بعد ما صدر من آدم بمهلة اصطفاه ربّه واختاره فتاب عليه وهداه إلى ما يرضيه . ولم يبيّن هنا السبب لذلك ، ولكنّه بيّن في غير هذا الموضع أنّه تلقّى من ربّه كلمات فكانت سبب توبة ربّه عليه ، وذلك في قوله : فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ [ البقرة : 37 ] أي بسبب تلك الكلمات كما تدّل عليه الفاء . وقد قدّمنا في سورة « البقرة » : أنّ الكلمات المذكورة هي المذكورة في سورة « الأعراف » في قوله تعالى : قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 23 ) [ الأعراف : 23 ] وخير ما يفسّر به القرآن القرآن . قوله تعالى : قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ [ 123 ] . الظاهر أنّ ألف الاثنين في قوله اهْبِطا راجعة إلى آدم وحوّاء المذكورين في قوله فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما [ طه : 121 ] الآية ، خلافا لمن زعم أنّها راجعة إلى إبليس وآدم ، وأمره إيّاهما بالهبوط من الجنّة المذكور في آية « طه » هذه جاء مبيّنا في غير هذا الموضع ؛ كقوله في سورة « البقرة » : وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ ( 36 ) [ البقرة : 36 ] ، وقوله فيها أيضا : قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 38 ) [ البقرة : 38 ] ، وقوله في « الأعراف » : قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ ( 24 ) [ الأعراف : 24 ] . وفي هذه الآيات سؤال معروف ، وهو أن يقال : كيف جيء بصيغة الجمع في قوله اهْبِطُوا في « البقرة » و « الأعراف » وبصيغة التثنية في « طه » في قوله : اهْبِطا مع أنّه أتبع صيغة التثنية في « طه » بصيغة الجمع في قوله فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً [ طه : 123 ] وأظهر الأجوبة عندي عن ذلك : أن التثنية باعتبار آدم وحوّاء فقط ، والجمع باعتبارهما مع ذريّتهما . خلافا لمن زعم أن التثنية باعتبار آدم وإبليس ، والجمع باعتبار ذريتهما معهم ، وخلافا لمن زعم أنّ الجمع في قوله : اهْبِطُوا مراد به آدم وحواء وإبليس والحيّة . والدليل على أنّ الحيّة ليست مرادة في ذلك هو أنّها لا تدخل في قوله فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً لأنّها غير مكلفة . واعلم أنّ المفسّرين يذكرون قصّة الحيّة ، وأنّها كانت ذات قوائم أربع كالبختيّة من أحسن خلقها اللّه ، وأنّ إبليس دخل في فمها فأدخلته الجنّة ، فوسوس لآدم وحوّاء بعد أن عرض نفسه على كثير من الدواب فلم يدخله إلّا الحيّة ؛ فأهبط هو إلى الأرض ولعنت هي وردّت قوائمها في جوفها ، وجعلت العداوة بينها وبين بني آدم ، ولذلك أمروا بقتلها . وبهذه