الشنقيطي
405
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
لعمرك لا أخشى التصعلك ما بقي * على الأرض قيسي يسوق الأباعرا وهذه اللّغة الّتي ذكرها الزمخشري لا حاجة لها في التفسير الباطل المذكور ، لأنّ العرب تقول : غوى الفصيل كرضى وكرمى : إذا بشم من اللبن . وقوله تعالى في هذه الآية : وَعَصى آدَمُ يدلّ على أنّ معنى « غوى » ضلّ عن طريق الصواب كما ذكرنا . وقد قدّمنا أنّ هذه الآية الكريمة وأمثالها في القرآن هي حجّة من قال بأنّ الأنبياء غير معصومين من الصغائر . وعصمة الأنبياء صلوات اللّه وسلامه عليهم مبحث أصوليّ لعلماء الأصول فيه كلام كثير واختلاف معروف ، وسنذكر هنا طرفا من كلام أهل الأصول في ذلك . قال ابن الحاجب في مختصره في الأصول : مسألة الأكثر على أنّه لا يمتنع عقلا على الأنبياء معصية . وخالف الروافض ، وخالف المعتزلة إلّا في الصغائر ؛ ومعتمدهم التقبيح العقلي . والإجماع على عصمتهم بعد الرسالة من تعمّد الكذب في الأحكام ؛ لدلالة المعجزة على الصدق . وجوّزه القاضي غلطا وقال : دلّت على الصدق اعتقادا . وأمّا غيره من المعاصي فالإجماع على عصمتهم من الكبائر والصغائر الخسيسة . والأكثر على جواز غيرهما - ا ه منه بلفظه . وحاصل كلامه : عصمتهم من الكبائر ، ومن صغائر الخسّة دون غيرها من الصغائر . وقال العّلامة العلوي الشنقيطي في ( نشر البنود شرح مراقي السعود ) في الكلام على قوله : والأنبياء عصموا ممّا نهوا * عنه ولم يكن لهم تفكّه بجائز بل ذاك للتشريع * أو نيّة الزلفى من الرفيع ما نصّه : فقد أجمع أهل الملل والشرائع كلّها على وجوب عصمتهم من تعمّد الكذب فيما دلّ المعجز القاطع على صدقهم فيه ؛ كدعوى الرسالة ، وما يبلّغونه عن اللّه تعالى الخلائق . وصدور الكذب عنهم فيما ذكر سهوا أو نسيانا منعه الأكثرون وما سوى الكذب في التبليغ . فإن كان كفرا فقد أجمعت الأمّة على عصمتهم منه قبل النبوّة وبعدها ، وإن كان غيره فالجمهور على عصمتهم من الكبائر عمدا . ومخالف الجمهور الحشوية . واختلف أهل الحقّ : هل المانع لوقوع الكبائر منهم عمدا العقل أو السمع ؟ وأمّا المعتزلة فالعقل ، وإن كان سهوا فالمختار العصمة منها . وأما الصغائر عمدا أو سهوا فقد جوّزها الجمهور عقلا ؛ لكنّها لا تقع منهم غير صغائر الخسّة فلا يجوز وقوعها منهم لا عمدا ولا سهوا - انتهى منه . وحاصل كلامه : عصمتهم من الكذب فيما يبلّغونه عن اللّه ومن الكفر والكبائر وصغائر الخسّة . وأنّ الجمهور على جواز وقوع الصغائر الأخرى منهم عقلا ؛ غير أنّ ذلك لم يقع