الشنقيطي

404

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

أقل معنى الجمع في المشتهر * الاثنان في رأي الإمام الحميري وأما إن كان الاثنان المضافان منفصلين عن المثنى المضاف إليه ، أي كانا غير جزأيه فالقياس الجمع وفاقا للفراء ، كقولك : ما أخرجكما من بيوتكما ، وإذا أويتما إلى مضاجعكما ، وضرباه بأسيافهما ، وسألتا عن إنفاقهما على أزواجهما ، ونحو ذلك . قوله تعالى : وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى ( 121 ) [ 121 ] . المعصية خلاف الطاعة . فقوله وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى ( 121 ) أي لم يطعه في اجتناب ما نهاه عنه من قربان تلك الشجرة . وقوله : فَغَوى الغي : الضلال ، وهو الذهاب عن طريق الصواب . فمعنى الآية : لم يطع آدم ربّه فأخطأ طريق الصواب بسبب عدم الطاعة ، وهذا العصيان والغيّ بيّن اللّه جلّ وعلا في غير موضع من كتابه أنّ المراد به : أنّ اللّه أباح له أن يأكل هو وامرأته من الجنة رغدا حيث شاءا ، ونهاهما أن يقربا شجرة معيّنة من شجرها ؛ فلم يزل الشيطان يوسوس لهما ويحلف لهما باللّه إنّه لهما الناصح ، وإنّهما إن أكلا منهما نالا الخلود والملك الّذي لا يبلى . فخدعهما بذلك كما نصرّ اللّه على ذلك في قوله : وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ [ الأعراف : 22 ] فأكلا منها . وكان بعض أهل العلم يقول : من خادعنا باللّه خدعنا ؛ وهو مرويّ عن عمر . وفي حديث أبي هريرة عند أبي داود « 1 » والترمذي « 2 » والحاكم : « المؤمن غرّ كريم ، والفاجر خبّ لئيم » . وأنشد لذلك نفطويه : إنّ الكريم إذا تشاء خدعته * وترى اللئيم مجرّبا لا يخدع فآدم عليه الصلاة والسلام ما صدرت منه الزلّة إلا بسبب غرور إبليس له . وقد قدّمنا قول بعض أهل العلم : إنّ آدم من شدّة تعظيمه للّه اعتقد أنّه لا يمكن أن يحلف به أحد وهو كاذب فأنساه حلف إبليس باللّه العهد بالنهي عن الشجرة . وقول بعض أهل العلم : إنّ معنى قوله فَغَوى أي فسد عليه عيشه بنزوله إلى الدنيا . قالوا : والغيّ ؛ الفساد ، خلاف الظاهر وإن حكاه النقّاش واختاره القشيري واستحسنه القرطبي . وكذلك قول من قال فَغَوى أي بشم من كثرة الأكل . والبشم : التخمة ، فهو قول باطل . وقال فيه الزمخشري في الكشاف : وهذا وإن صحّ على لغة من يقلب الياء المكسورة ما قبلها ألفا فيقول في فني وبقي ، فنا وبقا ، وهم بنو طيىء - تفسير خبيث ، ا ه منه . وما أشار إليه الزمخشري من لغة طيىء معروف ؛ فهم يقولون للجارية : جاراة ، وللناصية ناصاة ، ويقولون في بقي بقي كرمى . ومن هذا اللّغة قول الشاعر :

--> ( 1 ) كتاب الأدب حديث 4790 . ( 2 ) كتاب البر والصلة حديث 1964 .