الشنقيطي

400

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ [ الأعراف : 20 ] . وللعلماء عن هذا السؤال أجوبة . أحدها - أن حروف الجر يخلف بعضها بعضا ؛ فاللام تأتي بمعنى إلى كعكس ذلك . قال الجوهري في صحاحه : وقوله تعالى : فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ يريد إليهما ، ولكن العرب توصل بهذه الحروف كلها الفعل اه . وتبعه ابن منظور في اللسان . ومن الأجوبة عن ذلك : إرادة التضمين ، قال الزمخشري في تفسير هذه الآية : فإن قلت كيف عدى « وسوس » تارة باللام في قوله فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ [ الأعراف : 20 ] وأخرى بإلى ؟ قلت : وسوسة الشيطان كولولة الثكلى ، ووعوعة الذئب ، ووقوقة الدجاجة ، في أنها حكايات للأصوات وحكمها حكم صوت وأجرس ؛ ومنه وسوس المبرسم وهو موسوس بالكسر والفتح لحن . وأنشد ابن الأعرابي : وسوس يدعو مخلصا رب الفلق * . . . فإذا قلت : وسوس له ؛ فمعناه لأجله ؛ كقوله : أجرس لها يا ابن أبي كباش * فما لها الليلة من إنفاش غير السرى وسائق نجاش ومعنى فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ أنهى إليه الوسوسة ؛ كقوله : حدث إليه وأسر إليه - اه منه . وهذا الذي أشرنا إليه هو معنى الخلاف المشهور بين البصريين والكوفيين في تعاقب حروف البحر ؛ وإتيان بعضها مكان بعض هل هو بالنظر إلى التضمين ، أو لأن الحروف يأتي بعضها بمعنى بعض ؟ وسنذكر مثالا واحدا من ذلك يتضح به المقصود ؛ فقوله تعالى مثلا : وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا [ الأنبياء : 77 ] الآية ، على القول بالتضمين . فالحرف الذي هو « من » وارد في معناه لكن « نصر » هنا مضمنة معنى الإنجاء والتخليص ، أي أنجيناه وخلصناه من الذين كذبوا بآياتنا . والإنجاء مثلا يتعدى بمن . وعلى القول الثاني ف « نصر » وارد في معناه ، لكن « من » بمعنى على ، أي نصرناه على القوم الذين كذبوا الآية ، وهكذا في كل ما يشاكله . وقد قدمنا في سورة « الكهف » أن اختلاف العلماء في تعيين الشجرة التي نهى اللّه آدم عن الأكل منها اختلاف لا طائل تحته ، لعدم الدليل على تعيينها ، وعدم الفائدة في معرفة عينها . وبعضهم بقول : هي السنبلة . وبعضهم يقول : هي شجرة الكرم . وبعضهم يقول : هي شجرة التين ، إلى غير ذلك من الأقوال . قوله تعالى : فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ [ 121 ] .