الشنقيطي

401

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

الفاء في قوله فَأَكَلا تدل على أن سبب أكلهما هو وسوسة الشيطان المذكورة قبله في قوله : فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ [ طه : 120 ] أي فأكلا منها بسبب تلك الوسوسة . وكذلك الفاء في قوله : فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما تدل على أن سبب ذلك هو أكلهما من الشجرة المذكورة ، فكانت وسوسة الشيطان سببا للأكل من تلك الشجرة . وكان الأكل منها سببا لبدو سوءاتهما . وقد تقرر في الأصول في مسلك ( الإيماء والتنبيه ) : أن الفاء تدل على التعليل كقولهم : سها فسجد ، أي لعلة سهوه . وسرق فقطعت يده ، أي لعلة سرقته ؛ كما قدمناه مرارا . وكذلك قوله هنا : فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى ( 120 ) فَأَكَلا مِنْها أي بسبب تلك الوسوسة فبدت لهما سوءاتها ، أي بسبب ذلك الأكل ، ففي الآية ذكر السبب وما دلت عليه الفاء هنا كما بينا من أن وسوسة الشيطان هي سبب ما وقع من آدم وحواء جاء مبينا في مواضع من كتاب اللّه ، كقوله تعالى : فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ [ البقرة : 36 ] فصرح بأن الشيطان هو الذي أزلهما . وفي القراءة الأخرى « فأزالهما » وأنه هو الذي أخرجهما مما كانا فيه ، أي من نعيم الجنة ، وقوله تعالى : يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ [ الأعراف : 27 ] الآية ، وقوله : فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ [ الأعراف : 22 ] إلى غير ذلك من الآيات . وما ذكره جل وعلا في آية « طه » هذه من ترتب بدو سوءاتهما على أكلهما من تلك الشجرة أوضحه في غير هذا الموضع ، كقوله في « الأعراف » : فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما [ الأعراف : 22 ] ، وقوله فيها . أيضا : أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما [ الأعراف : 27 ] . وقد دلت الآيات المذكورة على أن آدم وحواء كانا في ستر من اللّه يستر به سوءاتهما ، وأنهما لما أكلا من الشجرة التي نهاهما ربهما عنهما الكشف ذلك الستر بسبب تلك الزلة . فبدت سوءاتهما أي عوراتهما . وسميت العورة سوءة لأن انكشافها يسوء صاحبها ، وصارا يحاولان ستر العورة بورق شجر الجنة ، كما قال هنا : وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ ، وقال في « الأعراف » : فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ [ الأعراف : 22 ] الآية . وقوله وَطَفِقا أي شرعا ؛ فهي من أفعال الشروع ، ولا يكون خير أفعال الشروع إلا فعلا مضارعا غير مقترن ب « أن » وإلى ذلك أشار في الخلاصة بقوله : . . . . . . . . . . . . . . . . . . * وترك أن مع ذي الشروع وجبا كأنشأ السائق يحدو وطفق * وكذا جعلت وأخذت وعلق فمعنى قوله وَطَفِقا يَخْصِفانِ أي شرعا يلزقان عليهما من ورق الجنة بعضه ببعض ليسترا به عوراتهما . والعرب تقول : خصف النعل يخصفها : إذا خرزها : وخصف الورق