الشنقيطي
399
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وإذا علمت ذلك فاعلم أن قوله تعالى في هذه الآية الكريمة فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ أي كلمه كلاما خفيا فسمعه منه آدم وفهمه . والدليل على أن الوسوسة المذكورة في هذه الآية الكريمة كلام من إبليس سمعه آدم وفهمه أنه فسر الوسوسة في هذه الآية بأنها قول ، وذلك في قوله فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ الآية . فالقول المذكور هو الوسوسة المذكورة . وقد أوضح هذا في سورة « الأعراف » وبين أنه وسوس إلى حواء أيضا مع آدم ، وذلك في قوله : فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ [ الأعراف : 20 ] إلى قوله وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ ( 21 ) فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ [ الأعراف : 21 - 22 ] لأن تصريحه تعالى في آية « الأعراف » هذه بأن إبليس قاسمهما أي حلف لهما على أنه ناصح لهما فيما ادعاه من الكذب - دليل واضح على أن الوسوسة المذكورة كلام مسموع . واعلم أن في وسوسة الشيطان إلى آدم إشكالا معروفا ، وهو أن يقال : إبليس قد أخرج من الجنة صاغرا مذموما مدحورا ، فكيف أمكنه الرجوع إلى الجنة حتى وسوس لآدم ؟ والمفسرون يذكرون في ذلك قصة الحية ، وأنه دخل فيها فأدخلته الجنة ، والملائكة الموكلون بها لا يشعرون بذلك . وكل ذلك من الإسرائيليات . والواقع أنه لا إشكال في ذلك ، لإمكان أن يقف إبليس خارج الجنة قريبا من طرفها بحيث يسمع آدم كلامه وهو في الجنة ، وإمكان أن يدخله اللّه إياها لامتحان آدم وزوجه ، لا لكرامة إبليس . فلا محال عقلا في شيء من ذلك . والقرآن قد جاء بأن إبليس كلم آدم ، وحلف له حتى غره وزوجه بذلك . وقوله في هذه الآية الكريمة عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ أضاف الشجرة إلى الخلد وهو الخلود ؛ لأن من أكل منها يكون في زعمه الكاذب خالدا لا يموت ولا يزول ، وكذلك يكون له في زعمه ملك لا يبلى أي لا ينفى ولا ينقطع . وقد قدمنا أن قوله هنا وَمُلْكٍ لا يَبْلى ( 120 ) يدل لمعنى قراءة من قرأ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ [ الأعراف : 20 ] بكسر اللام . وقوله أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ ( 20 ) [ الأعراف : 20 ] هو معنى قوله في « طه » : هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ . والحاصل - أن إبليس لعنه اللّه كان من جملة ما وسوس به إلى آدم وحواء : أنهما إن أكلا من الشجرة التي نهاهما اللّه عنها نالا الخلود والملك ، وصارا ملكين ، وحلف لهما أنه ناصح لهما في ذلك ، يريد لهما الخلود والبقاء والملك فدلاهما بغرور . وفي القصة : أن آدم لما سمعه يحلف باللّه اعتقد من شدة تعظيمه للّه أنه لا يمكن أن يحلف به أحد على الكذب ، فأنساه ذلك العهد بالنهي عن الشجرة . تنبيه في هذه الآية الكريمة سؤال معروف ، وهو أن يقال : كيف عدى فعل الوسوسة في « طه » بإلى في قوله فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ مع أنه عداه في « الأعراف » باللام في قوله