الشنقيطي

398

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى ( 118 ) بين نفي الجوع المتضمن لنفي الحرارة الباطنية والألم الباطني الوجداني ، وبين نفي العري المتضمن لنفي الألم الظاهري من أذى الحر والبرد ، وهي مناسبة لا بالتضاد . كما أنه تعالى ناسب فيقوله وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى ( 119 ) بين نفي الظمأ المتضمن لنفي الألم الباطني الوجداني الذي يسببه الظمأ . وبين نفي الضحى المتضمن لنفي الألم الظاهري الذي يسببه حر الشمس ونحوه كما هو واضح . بما ذكرنا تعلم أن قول من قال : إن في هذه الآية المذكورة ما يسمع قطع النظير عن النظير ، وأن الغرض من قطع النظير عن النظير المزعوم تحقيق تعداد هذه النعم وتكثيرها ؛ لأن لو قرن النظير بنظيره لأوهم أن المعدودات نعمة واحدة ، ولهذا قطع الظمأ عن الجوع ، والضخو عن الكسوة ، مع ما بين ذلك من التناسب . وقالوا : ومن قطع النظير عن النظير المذكور قول امرئ القيس : كأني لم أركب جوادا للذة * ولم أتبطن كاعبا ذات خلخال ولم أسبا الزق الروي ولم أقل * لخيل كري كرة بعد إجفال فقطع ركوب الجواد من قوله « لخيلي كري كرة » وقطع « تبطن الكاعب » عن شرب « الزق الروي » مع التناسب في ذلك . وغرضه أن يعدد ملاذه ومفاخره ويكثرها . كله كلام لا حاجة له لظهور المناسبة بين المذكورات في الآية كما أوضحنا ، والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى ( 120 ) [ 120 ] . الوسوسة والوسواس : الصوت الخفي . ويقال لهمس الصائد والكلاب ، وصوت الحلي : وسواس . والوسوس بكسر الواو الأول مصدر ، وبفتحها الاسم ، وهو أيضا من أسماء الشيطان ، كما في قوله تعالى : مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ ( 4 ) [ الناس : 4 ] ويقال لحديث النفس : وسواس ووسوسة . ومن إطلاق الوسواس على صوت الحلي قول الأعشى : تسمع للحلي وسواسا إذا انصرفت * كما استعان بريح عشرق زجل ومن إطلاقه على همس الصائد قول ذي الرمة : فبات يشئزه ثأد ويسهره * تذؤب الريح والوسواس والهضب وقول رؤبة : وسوس يدعو مخلصا رب الفلق * سرا وقد أون تأوين العقق في الزرب لو يمضع شربا ما بصق