الشنقيطي
397
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
قال إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ بخطاب شامل لآدم وحواء ، ثم خص آدم بالشقاء دونها في قوله فَتَشْقى ( 117 ) دل ذلك على أنه هو المكلف بالكد عليها وتحصيل لوازم الحياة الضرورية لها : من مطعم ، ومشرب ، وملبس ، ومسكن . قال أبو عبد اللّه القرطبي رحمه اللّه في تفسير هذه الآية الكريمة ما نصه : وإنما خصه بذكر الشقاء ولم يقل فتشقيا - يعلمنا أن نفقة الزوجة على الزوج ، فمن يومئذ جرت نفقة النساء على الأزواج . فلما كانت نفقة حواء على آدم كذلك نفقات بناتها على بني آدم بحق الزوجية . وأعلمنا في هذه الآية : أن النفقة التي تجب للمرأة على زوجها هذه الأربعة : الطعام ، والشراب ، والكسوة ، والمسكن . فإذا أعطاها هذه الأربعة فقد خرج إليها من نفقتها ، فإن تفضل بعد ذلك فهو مأجور . فأما هذه الأربعة فلا بد منها ؛ لأن بها إقامة المهجة ا ه منه . وذكر في قصة آدم : أنه لما أهبط إلى الأرض أهبط إليه ثور أحمر وحبات من الجنة ، فكان يحرث على ذلك الثور ويمسح للعرق عن جبينه وذلك من الشقاء المذكور في الآية . والظاهر أن الذي في هذه الآية الكريمة من البديع المعنوي في اصطلاح البلاغيين ، هو ما يسمى « مراعاة النظير » ، ويسمى « التناسب والائتلاف . والتوفيق والتلفيق » ؛ فهذه كلها أسماء لهذا النوع من البديع المعنوي . وضابطه : أنه جمع أمر وما يناسبه لا بالتضاد ؛ كقوله تعالى : الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ ( 5 ) [ الرحمن : 5 ] فإن الشمس والقمر متناسبان لا بالتضاد . وكقول البحتري يصف الإبل الأنضاء المهازيل ، أي الرماح : كالقسي المعطفات بل الأسهم * مبرية بل الأوتار وبين الأسهم والقسي المعطفات والأوتار مناسبة في الرقة وإن كان بعضها أرق من بعض ، وهي مناسبة لا بالتضاد . وكقول ابن رشيق : أصح وأقوى ما سمعناه في الندى * من الخبر المأثور منذ قديم أحاديث ترويها السيول عن الحيا * عن البحر عن كف الأمير تميم فقد ناسب بين الصحة والقوة ، والسماع والخبر المأثور ، والأحاديث والرواية ، وكذا ناسب بين السيل والحيا وهو المطر ، والبحر وكف الأمير تميم ، وكقول أسيد بن عنقاء الفزاري : كأن للثريا علقت في جبينه * وفي خده الشعرى وفي وجهه البدر فقد ناسب بين الثريا والشعرى والبدر ، كما ناسب بين الجبين والوجنة والوجه . وأمثلة هذا النوع كثيرة معروفة في فن البلاغة . وإذا علمت هذا فاعلم - أنه جل وعلا ناسب في هذه الآية الكريمة في قوله إِنَّ لَكَ